التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦١ - الالتفات أو التفنن في اسلوب الخطاب
وإذ وعيت ما قصصته عليك وتأمّلت الالتفات في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»- بعد تلاوتك لما قبله «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»- على الوجه الذي يجب، وهو التأمّل القلبي، علمت ماموقعه، وكيف أصاب المحزّ[١] وطبّق مفصل البلاغة، لكونه منبّها على أنّ العبد المُنعَم عليه بتلك النِعَم العِظام إذا قدّر أنّه ماثل بين يدي مولاه، من حقّه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته عل وجه يجد معها من نفسه شبه محرّك إلى الإقبال على من يحمده، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات، مستدعية انطباقها على المنزَّل على ماهو عليه، وإلّا لم يكن قارئا.
والوجه: هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة، يعقل فيمَ هو؟ وعند مَن هو؟ فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات، أن يكون انتقاله محذوّا به حذو الافتتاح، فإنّه متى افتتح على الوجه الذي عرفت، مُجريا على لسانه «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، أفلا يجد محرّكا للإقبال على من يحمد، من معبود عظيم الشأن، حقيق بالثناء والشكر، مستحقّ للعباد؟
ثمّ إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: «رَبِّ الْعالَمِينَ» واصفا له بكونه ربّا مالكا للخلق، لايخرج شيء من ملكوته وربوبيّته، أفترى ذلك المحرّك لايقوى؟
ثمّ إذا قال: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فوصفه بما ينبئ عن كونه منعِما على الخلق بأنواع النِعَم، جلائلها ودقائقها، مصيبا إيّاهم بكلّ معروف، أفلا تتضاعف قوّة ذلك المحرّك عند هذا؟
ثمّ إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات، وهي «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» المنادية على كونه مالكا للأمر كلّه في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب، فما ظنّك بذلك المحرّك، أيسع ذهنك أن لايصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى، شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ماتصوّرت، فتستطيع أن لاتقول: «إيّاك، يامن هذه صفاته، نعبد ونستعين، لاغيرك» فلا ينطبق على المنزل على ماهو عليه؟
[١] - الحزّ: القطع. والمحزّ: موضع الذبح.