التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٩ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
بسم اللّه الرَّحمان الرَّحيم
نمّقت يدُ الأخ في اللّه الإمام الصمصام زادهُ اللّه في الدين طمأنينةً وثَلَجا،[١] وفي مواقف الجدل فوزةً وفلجا،[٢] صحيفة قد احتبى في تجويدها وتربّع، وتبدّع في إنشائها وتبرّع، ولم يألها تمليحا وترشيقا، وما ادّخر عنها توشيحا وتطويقا، وخرّج سؤالات لو صكّ بها ابنالأهتم لهُتمت أسنانه،[٣] أو ابنالمُقفّع لقُفعت بنانه، أو ابنالقِرِّيَّة[٤] لبقى خابطا في مرية،[٥] وإن أفرغ صماخ قِرِّيَّته،[٦] وهكذا جحاجحة العرب، لاتتخطّاهم في رَشقٍ أصابه، ولا تُسقط لنازعهم في قوسٍ نَشّابه.[٧]
وسألني الإجابة عن تلك السؤالات بنظم رسالة من أبلغ الرسالات، تقع من السائل
[١] - يقال: ثلجت نفسي بالأمر تثلَج ثلجا، وثلجت تثلج ثلوجا إذا اطمأنّت إليه وسكنت، وثبت فيها ووثقت به. النهاية لابنالأثير،- ثلج-، ج ١، ص ٢١٩.
[٢] - الفالج: الغالب أو المنتصر، أنظر المصدر:- فلج-، ج ٣، ص ٤٦٨.
[٣] - صكّه ضربه شديدا، ومنه قوله تعالى:« فَصَكَّتْ وَجْهَها». الذاريات ٢٩: ٥١. وابن الأهتم هو عمرو بن سنان الأهتم، وإنّما لقّب أبوه سنان بالأهتم لأنّه هتمت ثنيّته يوم الكلاب أي كسرت، يقال: هتمت الثنية إذا كسرتها، وهتمت هي إذا انكسرت.
وعمرو هذا من أكابر سادات بني تميم وشعرائهم وخطبائهم في الجاهلية والإسلام، وهو بليغ القول فصيح العبارة، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله:« إنّ من البيان لسحرا» لمّا سمع منه ما قاله في حقّ الزبرقان بن بدر. انظر شرح رسالة ابن زيدون عند الكلام على قوله: وعمروبن الأهتم إنّما سحر ببيانك.
[٤] - هو أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي، أحد بلغاء الدهر، خطيب يضرب به المثل، يقال:« أبلغ من ابن القِرِّيَّة» والقِرِّيَّة جدّته. قتله الحجّاج سنة ٨٤ بعد أن أسره في وقعة دير الجماجم بعد أن قال له: واللّه لأزيرنّك جهنّم! قال: فأرحني فإنّي أجد حرّها! فأمر فضُربت عنقه. ولمّا رآه قتيلًا قال: لو تركناه حتى نسمع كلامه. وأخباره كثيرة. انظر. وفيات الأعيان ج ١، ص ٢٥٠، رقم ١٠٦؛ والكامل في التاريخ، ج ٤، ص ٤٩٨؛ والأعلام، ج ١، ص ٣٨١.
[٥] - المراء: الجدال، والتماري والمماراة، المجادلة على مذهب الشكّ والريبة.
[٦] - أفرغ: صبّ، وصماخ- ككتاب-: الاذن،- وكغراب-: الماء، وقِرِّيَّة: الحوصلة. والمراد بها مااشتهر به من البلاغة حتى صارت له كالعلم، كما صار اسم حاتم للكرم، والتفسير عليها دون القرية واحدة القرى، ودون القربة سقاء الماء واللبن، أي وإن صبّ اذن حافظته، أو استنزف ماء قريحته، كناية عن إجهاد نفسه في البيان، وخنق فرسه في الميدان، فهذه الأسئلة إن قرعت له سمعا يضيق بها ذرعا، ويبقى خابطا في الشكّ والجدل، لاحول له بها ولا حيل. هامش المخطوطة.
[٧] - لاتُسقط: أي لاتُخطئ، ونزع القوس: مدّها، ونشّابه: أي نبله، أي هذه السؤالات كما يقصر عنها المذكورون من أئمّة الأدب، فإنّها تصيب بلاغة سادات العرب، ولا تخطئ نبل متقوّسهم في ارب. هامش المخطوطة.