التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - ٤ - تجريد وترشيح
ملائم للمستعار منه، سمّيت مرشّحة.
مثالها في التجريد أن تقول: ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة صقيل العضب،[١] وجاورت بحرا ما أكثر علومه وما أجمعه للحقائق وما أوقفه على الدقائق.
ومثالها في الترشيح أن تقول: ساورت أسدا هصورا عظيم اللبدتين وافي البراثن منكر الزئير،[٢] وجاورت بحرا زاخرا يتلاطم أمواجه ولايغيض فيضه ولا يدرك قعره.
قالوا: والترشيح أبلغ من التجريد وغيره، لأنّ مبناه على تناسي التشبيه وادّعاء أنّ المستعار له عين المستعار منه لا أنّه مشبّه به. وهو تحقيق في مبالغة التشبيه وتأكيد وتزيين لها، كما قاله التفتازاني.[٣]
قال السكاكي: ومبنى الترشيح على تناسي التشبيه وصرف النفس عن توهّمه حتى تبالي أن تبني على علوّ القدر وسمّوا المنزلة، بناءك على العلوّ المكاني، كما فعل أبو تمام إذ قال:
|
ويصعد حتى يظنّ الجهول |
بأنّ له حاجة في السماء |
|
وقال ابن الرومي بشأن نوبخت:
|
أعلم الناس بالنجوم بنونو |
بخت علما لم يأتهم بالحساب |
|
|
بل بأن يشاهدوا السماء سموّا |
بترقّ في المكرمات الصعاب |
|
|
مبلغ لم يكن ليبلغه الطا |
لبُ إلّا بتلكم الأسباب |
|
وتلزم المستعار له مايلزم المستعار منه من التعجّب وغيره ممّا لايليق إلّا بالمستعار منه، كما قال الشاعر:
|
لاتعجبوا من بلى غلالته |
قد زرّ أزراره على القمر |
|
أوَ ماترى هؤلاء، كيف نبذوا أمر التشبيه وراء ظهورهم، وكيف نسوا حديث الاستعارة، كأن لم تخطر منهم على بال، ولا رأوها ولا في طيف خيال.
[١] - العضب: السيف القاطع.
[٢] - الهصر: الكسر، والأسد هصور لأنّه يهصر فريسته، والزئير: صوت الأسد.
[٣] - المطوّل، ص ٣٧٨.