التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٠ - حكمة الكناية وفوائدها
خلاف الظاهر، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز، فتعبّر بها عن المقصود، كما تقول في نحو: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى».[١] إنّه كناية عن الملك، فإنّ الاستواء على السرير لايكون إلّا مع الملك، فجعل كناية عنه. وكذا قوله: «وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ»[٢] كناية عن عظمته وجلاله من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتي الحقيقة والمجاز.[٣]
قال- عند الكلام عن آية طه-: لمّا كان الاستواء على العرش- وهو سرير الملك- ممّا يردف الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون:
مَلِك، وإن لم يقعد على السرير البتة. وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته «ملك» في مؤدّاه، وإن كان أشرح وأبسط وأدلّ على صورة الأمر.
قال: ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنّه جواد أو بخيل، لافرق بين العبارتين إلّا فيما قلتُ، حتى أنّ من لم يبسط يده قطّ بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه: يده مبسوطة، لمساواته عندهم مع قولهم: هو جواد ... ومنه قوله عزّوجلّ:
«وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ»[٤] أي هو بخيل. «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ»[٥] أي هو جواد ... من غير تصوّر يد ولا غلّ ولا بسط.
قال: والتفسير بالنعمة، والتمحّل للتثنية، من ضيق العطن، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام.[٦]
و قال عن آية الزمر: والغرض من هذا الكلام- إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه- تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لاغير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز.
قال: وزبدة الآية وخلاصتها هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأنّ الأفعال العظام التي
[١] - طه ٥: ٢٠.
[٢] - الزمر ٦٧: ٣٩.
[٣] - الإتقان، ج ٣، ص ١٤٥- ١٤٦.
[٤] - المائدة ٦٤: ٥.
[٥] - المائدة ٦٤: ٥.
[٦] - الكشاف، ج ٣، ص ٥٢.