التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٦ - «إنما المشركون نجس»
فلم تكن هناك مسبّة، وإنّما هو تصوير حالة عاشها بنوإسرائيل طول حياتهم الخاسرة الخاسئة والخايسة الجائفة. ومن ثمّ جاء التشبيه عنهم في موضع آخر بحياة يعيشها القردة والخنازيز «وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ»،[١] جمعا بين التفاهة والدناسة القذرة، لوحة عاكسة فيها تلك الحياة العابثة والعائثة التي كان يعيشها بنو إسرائيل، حكاية عن حقيقة واقعة، لامبالغة هناك ولامسبّة.
«إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ»
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا».[٢]
وقال بشأن المتخلّفين: «فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ».[٣]
والنجاسة: القذارة، الشيء يُستقذر منه. وهو سباب فاحش! وكذلك الرجس: الشيء القذر يتنفّر منه.
لكنّه التجسيم الحسّي للدّنس المعنوي. فهم ليسوا أدناس بأجسادهم وذواتهم، إنّما هم رجس بنيّاتهم وأعمالهم. ولكنّها الصورة المجسّدة أشدّ بشاعة وأبين قذارة وأدعى إلى التقزّز والاشمئزاز، وإلى الاحتقار كذلك و الازدراء.
فالمشركون الذين يصدّون عن سبيل ويبغونها عوجا، وكذا القاعدون وسط الجماعة المكافحة- وهم قادرون على الحركة- الذين قعد بهم إيثار السلامة عن الجهاد، رجس نجس، وما في ذلك شكّ ولا ريب. رجس خبيث يلوّث الأرواح، ودنس قذر يؤذي المشاعر، كالجثّة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتُعدي، إنّها صورة واقع، وليست مسبّة ورميا بلا هوادة!
[١] - المائدة ٦٠: ٥.
[٢] - التوبة ٢٨: ٩.
[٣] - التوبة ٩٥: ٩.