التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - آية القصاص
|
وأخافكم كي تُغمدوا أسيافكم |
أنّ الدم المعترّ يحرسه الدم[١] |
|
فقوله: «إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم» أجمل اسلوبا وأحسن أداءً من قولة العرب.
وقال أبو هلال العسكري: والإيجاز، القِصَر والحذف، فالقِصَر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهو قول اللّه عزّوجلّ: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ». ويتبيّن فضل هذاالكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» فصار لفظ القرآن فوق هذا القول، لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص، وذكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم اللّه به، ولإيجازه في العبارة، فإنّ الذي هو نظير قولهم «القتل أنفى للقتل» إنّما هو «الْقِصاصِ حَياةٌ» وهذا أقلّ حروفا من ذلك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، ولفظ القرآن برئ من ذلك. وبحسن التأليف، وشدّة التلاؤم المدرك بالحسّ، لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة.[٢]
وقال جلالالدين السيوطي: وقد فُضّلت الآية على قولة العرب بعشرين وجها أو أكثر، وإن كان لاتشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وإنّما العلماء يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك، كما قال ابن الأثير. نذكر منها:
١- في الآية إيجاز قصر، من غير حاجة إلى تقدير. أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير «من» لمكان أفعل التفضيل. وبذلك جاء الإبهام في قولتهم، لأنّه يُسأل: من أيّ شيء؟ فإن قدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد وجميع أفراد الناس.
٢- ثمّ الذي ينفي القتل ويوجب الحياة هي شريعة القصاص، وهو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل، إذ ربَّ قتلة أوجبت قتلات، كما في حرب البسوس طالت أربعين سنة.
٣- في الآية طباق، جمعا بين ضدّين: القصاص- وفيه إشعار بقتل- والحياة. وأيضا
[١] - ديوان أبي تمام، ص ٢٧٤. والمعترّ: المضطرب لخوف الخطر.
[٢] - انظر: الصناعتين، ص ١٧٥. وهامش المثل السائر، ج ٢، ص ٣٥٢- ٣٥٣.