التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٢ - ١٢ - براعة القسم في القرآن
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: والقَسَم تأكيد الخبر بما جعله في حيّز المتحقّق.[١]
و عن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالى: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»[٢]، صَرَخ وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتّى ألجأه إلى اليمين؟!
و من ثمّ فقد يقوم مقام القسم ما يؤدّي معناه فيجاب كما يجاب القسم. وسيأتي.
إذن فاليمين نوع توكيد، جرت عليه اللغة وأساليب الكلام، لكنّه توكيد بليغ قد بلغ غايته فيتحقيق الخبر. ومن اصول البلاغة: مضاعفة التوكيد حسب تصاعد درجة الإنكار أو تراكم الشُّبَه.
قالوا: من ضرورة البلاغة في الكلام، إلقاؤه حسب مقتضى الحال والمقام. فإنّ للكلام مقامات متفاوتة. قال السكّاكي (ت ٦٢٦): مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار. وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ ولكلّ من ذلك مقتضىً غير مقتضى الآخر.
وارتفاع شأن الكلام- في باب الحسن والقبول- وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، وهو الذي نسمّيه: مقتضى الحال. فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم، فحُسن الكلام تجريده عن مؤكّدات الحكم، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك، فحسن الكلام تحليته بشيء من ذلك بحسب المتقضي ضعفا وقوّةً.
قال: فإذا القي الجملة الخبريّة إلى من هو خالي الذهن عمّا يُلقى إليه، ليحضر طرفاها
[١] - التبيان، ج ١٠، ص ١٩٠.
[٢] - الذاريات ٢٢: ٥١- ٢٣.