التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٥ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
ويتّجه أن يجعلها جملة للاعتراض، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الأغراض، كقوله تعالى: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ».[١]
وعنى بالشانئ السهميَّ المرميَّ بسهمه، وإنّما ذكره بصفته لاباسمه، ليتناول كلّ من كان في مثل حاله، من كيده بدين الحقّ ومحاله، وفيه أنّه لم يتوجّه بقلبه إلى الصدق، ولم يقصد به الإفصاح عن الحقّ، ولم ينطق إلّا عن الشنآن الذي هو توأم البغي والحسد، وعن البغضاء التي هي نتيجة الغيظ والحرد،[٢] وكذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الأشدّ، ويدلّ على حنق الخصم الألدّ، وعرّف الخبر ليتمّ له البتر، كأنّه الجمهور[٣] الذي يقال له الصنبور، وأقحم الفصل لبيان أنّه المعيّن لهذه النقيصة، وأنّه المشخّص لهذه الغميصة،[٤] وذلك كلّه مع علوّ مطلعها، وتمام مقطعها،[٥] ومجاوبة عَجزها لهاديتها،[٦] وسبيبها[٧] لناصيتها، واتّصافها بما هو طراز الأمر كلّه من مجيئها، مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل، خالية من تصنّع من يتناول التنكيت، وتعمّل من يتعاطى بمحاجّة التبكيت،[٨] كأنّها كلام من يرمي به على عَواهنه، ولا يتعمّد إلى إبلاغ نكته ومحاسنه، ولا يلقاك ذلك إلّا في كلام ربّ العالمين، ومدبّر الكلام والمتكلّمين، فسبحان مَن لو أنزل هذه الواحدة وحدها، ولم ينزل ماقبلها وما بعدها، لكفى بها آية تغمر الأذهان، ومعجزة توجب الإذعان، فكيف بما أنزل من السبع الطوال، وما وراءها إلى المُفصَّل،[٩] والمُفصَل، يالها من معجزة كم معجزات في طيّها، عند كلّ ثلاث آيات تقرّ الألسن بعيّها، لو أراد الثقلان تسلية المغيظ المحنق؛ لأخذت من أفاصحهم بالمخنق، إن همّوا بإنشاء سورة توازيها، وثلاث
[١] - القصص ٢٦: ٢٨.
[٢] - الحرد: الغضب.
[٣] - كذا.
[٤] - يقال: اغتمصت فلانا اغتماصا: احتقرته.
[٥] - مقاطع القرآن: مواضع الوقوف.
[٦] - في الحديث:« طلعت هوادي الخيل» يعني أوائلها، والهادي والهادية: العنق؛ لأنّها تتقدّم على البدن، ولأنّها تهدي الجسد.
[٧] - السَّبيبُ: شَعر الذنب.
[٨] - بكته بالحُجة أي غلبه.
[٩] - المُفصَّل من القرآن السبع الأخير، وذلك للفصل بين القصص بالسور القصار، والفواصل أواخر الآي. المفردات للراغب، ٣٨١.