التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٩ - ٣ - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته
وممّا يدلّ على أنّ نظم القرآن مادة فوق الصنعة ومن وراء الفكر، ولايسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ، وكأنّها صبّت على الجملة صبّا، أنّك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلّا بصيغة الجمع ولم يستعمل بصيغة الإفراد، فإذا احتيج إلى صيغة المفرد استعمل مرادفها. كلفظة «اللبّ» لم ترد إلّا مجموعة «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ».
«لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» ونحوهما[١] ولم تجىء فيه مفردة، بل جاء مكانها «القلب»[٢] أو «الفؤاد».[٣]
وذلك لأنّ لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدّة إلّا من اللام الشديدة المسترخية، فلمّا لم يكن ثَمَّ فصل بين الحرفين ليتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدّة فتحسن اللفظة، مهما كانت حركة الإعراب فيها، نصبا أو رفعا أو جرّا.
ولذلك أسقطها القرآن من نظمه تبّةً، على سعة مابين أوّله وآخره.
ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، كما في لفظة «الجُبّ» وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة.
وكذلك لفظة «الكوب» استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة، لأنّه لم يتهيّأ فيها مايجعلها في النطق من الظهور والرقّة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ «الأكواب» الذي هو جمع.
و «الأرجاء» لم يستعمل القرآن لفظها إلّا مجموعا، وترك المفرد- وهو الرجا أي الجانب- لِعلّة لفظه وأنّه لايسوغ في نظمه كماترى.
وعكس ذلك لفظة «الأَرض» فإنّها لم ترد فيه إلّا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كلّ موضع منه، ولم يجىء «أرضون» لهذه الجَسأة التي تدخل اللفظ ويختلّ بها النظم اختلالًا.
[١] - في ستة عشر موضعا من القرآن جاءت اللفظة بصيغة الجمع فقط، ولم تأت إفرادا أبدا.
[٢] - في تسعة عشر موضعا إمّا مقطوعا أو مضافا.
[٣] - في خمسة مواضع مقطوعا ومضافا.