التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - ٢ - عامية و خاصية
الأودية وأغوارها وأبعادها. فتسيل في كلٍّ بقدرها وحسب طاقتها.
والماء في بدء نزوله من السماء صافٍ ضاف، لكنّه في سيره في منعطفات المسيل ومتعرّجاته يحتمل معه أوساخا وأقذارا تطفو على وجه الماء زبدا رابيا، متراكما ومتراكبا بعضه على بعض. هي ظلمات الشكوك والجهالات، وهي التي تقع مطمح أهل القصور في النظر، والهبوط في المستوى.
وهكذا أنواع المعادن والجواهر تذاب وتذهب أدرانها. ويعلوها رغاف، غير أنّ ماينفع الناس من رسوبات المسيل وصفايا المصوغ هو الذي يبقى ويستمرّ في حياتهم، وأمّا الزَبد والرغاف فيذهب جفاءً وهباءً.
فهنا عدّة استعارات وتشبيهات متداخلة ومترابطة بعضها مع بعض، وبذلك اكتست حلّة قشيبة من الجمال.
أمّا الخاصّيّة الغريبة فهيترتفع عن المستوى العام ولا يبلغ شأوها إلّا ذوو الأذهان المتوقّدة والأفهام المرهفة الرقيقة. ولها شواهد كثيرة في القرآن.
قال تعالى- حكاية عن زكريا عليه السلام-: «رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً».[١] جاءت التكنية عن حلول مشيب عارض وعروض هرم بالغ، بتعبيرين، هما من أرقّ التعابير وأدقّها في هذا المجال:
أولًا: كنّى عن الشيب البالغ بوهن العظم، وهو يلازم ضعف الشيب، فذكر العلّة الباطنة دليلًا على المعلول الظاهر، فقد وضع يده على السبب الأول الموجب لاستيلاء الضعف على مشاعره وجوارحه، الآذن بالرحيل، وهي كناية أبلغ من التصريح.
وثانيا: كنّى عن هرمه وكبر سنّه بتجلّل المشيب رأسه أجمع، لكنّه استعار لذلك استعارة فائقة.
استعار لتهلّل البياض المتجلّل به شيب الرأس، وهيج النار، وهي استعارة غريبة لم تعرفه العامّة ولم يسبق لها نظير في كلام العرب.
[١] - مريم ٤: ١٩.