التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٩ - أنحاء الإيجاز بحذف الجمل
إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ».[١]
فمخرج هذا القول «قِيلَ ادْخُلِ ...» مخرج الاستئناف، لأنّ ذلك من مظانّ المسألة عن حاله عند لقاء ربّه.
وكأنّ قائلًا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربّه، بعد ذلك التصلّب في دينه، والتسخّي لوجهه بروحه؟ فقيل ...
ولم يقل: قيل له، لانصباب الغرض إلى القول، لا إلى المقول له، مع كونه معلوما.
وكذلك قوله: «يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» مرتّب على تقدير سؤال سائل عمّا وجد.
ومن هذا النحو قوله عزّوجلّ: «يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ».[٢]
والفرق بين إثبات الفاء في «فسوف» في آية اخرى نظيرتها: «قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ»[٣] وبين حذف الفاء في الآية الاولى أنّ إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وحذفها وصل خفيّ تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر. كأنّهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون ... فوصل تارةً بالفاء، وتارةً بالاستئناف، وذلك كلّه تفنّن في البلاغة. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو قِسم من أقسام علم البيان، تتكاثر محاسنه، فاعرفه واغتنم.
*** الضرب الثاني: الاكتفاء بالسبب عن المسبّب أو العكس.
أمّا الاكتفاء بالسبب فكقوله تعالى: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ».[٤] كأنّه قال: وما كنت
[١] - يس ٢٢: ٣٦- ٢٧.
[٢] - هود ٩٣: ١١.
[٣] - الزمر ٣٩: ٣٩- ٤٠.
[٤] - القصص ٤٤: ٢٨- ٤٥.