التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - نماذج من فوارق اللغة
يعلم كذا، ولا يقال: يعرف كذا، لما كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصّل به بتفكّر. وأصله من عرفت أي أصبت عَرفه أي رائحته، أو من أصبت عَرفه أي خدّه.[١]
قلت: ومن هنا قيل: المعرفة مسبوقة بالجهل، والعلم قد يكون أزليا، فلم تصحّ نسبة العرفان إليه تعالى ولم يأت في القرآن أيضا. فلا يقال: عرف اللّه كذا، إذ لم يكن يجهله قط.
و «علم» قد يتعدّى إلى مفعول واحد: «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ».[٢] «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ».[٣] «فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ».[٤] «وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ».[٥] «وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ»[٦] إلى غيرهنّ من آيات. فيكون بمعنى عرف في غير ما نسبته إلى اللّه سبحانه إلّا مجازا وتشبيها. نعم إذا تعلّق العلم بنسبة قائمة بين المسند والمسند إليه فحينذاك يقتضي مفعولين لذلك، وهو أمر تقتضيه طبيعة الحال.
وقال أبوهلال العسكري: المعرفة أخصّ من العلم، لأنّها علم بعين الشيء مفصّلًا عمّا سواه، والعلم يكون مجملًا ومفصّلًا. فكلّ معرفة علم وليس كلّ علم معرفة، وذلك أنّ لفظ المعرفة يفيد تمييز المعلوم من غيره، ولفظ العلم لايفيد ذلك إلّا بضرب آخر من التخصيص في ذكر المعلوم. والشاهد قول أهل اللغة: إنّ العلم يتعدّى إلى مفعولين، ليس لك الاقتصار على أحدهما إلّا أن تكون بمعنى المعرفة، كقوله تعالى: «لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ».[٧] أي لا تعرفونهم اللّه يعرفهم. وإنّما كان كذلك لأنّ لفظ العلم مبهم، فإذا قلت:
علمتُ زيدا، فذكرته باسمه الذي يعرفه به المخاطب لم يفد، فإذا قلت: قائما، أفدت لأنّك دللت بذلك على أنّك علمت زيدا على صفة جاز أن لا تعلمه عليها مع علمك به في الجملة. وإذا قلت: عرفتُ زيدا، أفدت لأنّه بمنزلة قولك علمته متميّزا من غيره، فاستغنى عن قولك متميّزا من غيره لما في لفظ المعرفة من الدلالة على ذلك. والفرق بين العلم والمعرفة إنّما يتبيّن في الموضع الذي يكون فيه جملة غير مبهمة، ألا ترى أنّ قولك:
[١] - المفردات، ص ٣٣١.
[٢] - البقرة ٦٠: ٢.
[٣] - النور ٤١: ٢٤.
[٤] - الفتح ١٨: ٤٨.
[٥] - ص ٨٨: ٣٨.
[٦] - التوبة ١٠١: ٩.
[٧] - الأنفال ٦٠: ٨.