التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٥ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
ببعض، وراعيت في ربطها الأليق فالأليق، حصل لك المقرّر والمقصود، وقارن في هذه القضية لغة العرب وغيرها من اللغات على السواء.
ومنها: أنّه لايخفى أنّ القرآن سيّد معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام، والعلم بكونه معجزا علم ضروريّ، ولكنّ الشأن في بيان إعجازه.
فمن قائل يقول وهو النظام ومن تبعه: إنّ الآية والأعجزية في القرآن اختصاصه بالإخبار عن الغيوب بما كان ويكون، وبمنع اللّه العرب أن يأتوا بمثله. قال: وأمّا التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد، لولا أنّ اللّه تعالى منعهم وأعجزهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم.
ومن قائل يقول: وجه الإعجاز في القرآن أنّه اسلوب من أساليب الكلام، وطريقة ما عهدها العرب ولا عرفوها، ولم تكن مقدورة لهم.
ومن قائل يقول: وجه الإعجاز فيه عِلمنا بعجز العرب العاربة عن أن يأتوا بمثله، وتركهم المعارضة مع تكرار التحدّي عليهم وطول التقريع لهم، فإذا عجز العرب عن ذلك فنحن أولى بالعجز.
ومن قائل يقول: وجه الإعجاز فيه هو ما اختصّ به من الفصاحة والبلاغة التي بهرَهم عند سماعها، وطأطأوا رؤوسهم عند طروقها، وعليه الأكثرون.
فإن عسى اعترض المعترض وقال: ماذا أعجزهم؟ وماذا أبهرَهم؟ ألفاظ القرآن أم معانيه؟!
إن قال: أردت الألفاظ مع شيء منهما لايجب فضل البتة على تقدير الانفراد، لأنّ الألفاظ [لا] تراد لنفسها، وإنّما تراد لتجعل دلالات على المعاني، ولأنّ الألفاظ التي نطق بها القرآن ليست إلّا أسماءً وأفعالًا وحروفا مرتبطا بعضها ببعض، ويستعملونها في مخاطباتهم، وكذلك الجُمَل المنظومة.
وإن قال: أعجزهم المعاني، يقال له: أليس أنّهم كانوا أرباب العقول و أهل الحِجى، يدركون غوامض المعاني بأفهامهم، ولهم المعاني العجيبة، والتمثيلات البديعة، والتشبيهات النادرة.