التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٠ - المقصد الأول في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء وتحقيق ما هو المراد
اختلاف في بعض الألفاظ فإنّهم بدّلوا أهل الكبائر بأهل الكتابين والمقلوبة بالمفتونة، واتّفق على صحته الفريقان. وهذا نصّ صريح على ما ادّعيناه من صيرورة الغناء حقيقة عرفية في هذا الفرد الأخصّ، ونهيهم عليهم السلام مختصّ بهذا دون غيره ونقول تأكيدا وتوضيحا:
نحن معاشر القائلين بالتفصيل في أمر الغناء ندّعي أنّ الغناء المنهيّ عنه هو الأصوات الملهية التي تتصدّيها القينات وفسّاق الرجال ويزينها ضرب الدفوف والعيدان لكثرة إطلاق الغناء على هذا الفرد الأخصّ صارت حقيقة عرفية فيه، وأنتم أيّها المنكرون تزعمون أنّ الغناء المنهيّ عنه هو الغناء بالمعنى اللغوي أعني الصوت المرجّع المطرب أو نفس ترجيعه المطرب مطلقا، وهذا حديث ابنسنان يصدّق ما ادّعيناه ويكذّبكم.
أمّا (أوّلًا) فلأنّه صلى الله عليه و آله أمر بقراءة القرآن بألحان العرب وأصواتها، فلا يخلو إمّا أن يكون مراده من الألحان الصوت من غير ترجيع مطلقا أو صوت مشتمل على ترجيع خاصّ لاسبيل إلى الأوّل. أمّا أولًا: فلأنّ اللحن هاهنا لغة عبارة عن تطريب الصوت وترجيعه على ماذكره ابنالأثير في نهايته. وقال في القاموس: لحّن في قراءته طرب فيها، ولا معنى للغناء اللغوي إلّا هذا فهما مترادفان بحسب اللغة، فلا يكون اللحن صوتا على الاستقامة.
وأمّا ثانيا: فلأنّ الأصوات المستقيمة مشتركة بين العرب والعجم غير مختصّة بطائفة دون طائفة اخرى، ألا ترى أنّه لايجوز أن يقال: نادى زيد ابنه بنداء العرب وعمرو بنداء العجم لكون النداء على استقامته مشتركا بين جميع الطوائف، ويجوز أن يقال: زيد قرأ القرآن بلحن العرب وعمرو بلحن العجم، وهو واضح، فتعيّن الثاني، فيكون ألحان العرب الأصوات المترجّعة.
وأمّا كونها مطربة فلما مرّ في بيان تحديده في الوجه الأوّل من أنّه والغناء اللغوي مترادفان بيّنّا في الأحاديث السابقة أنّ الصوت الحسن مطرب بالضرورة، فيكون لحن العرب فردا من أفراد مطلق الغناء، فتدبّروا.
أمّا (ثانيا) فلأنّه صلى الله عليه و آله نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من مطلق الترجيع لكان صلى الله عليه و آله يقتصر على قوله يرجّعون القرآن ولم يذكر ترجيع