التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - أعجب آية باهرة
الاستعارة للشبه المذكور.
ثمّ استعار لغؤور الماء في الأَرض «البلع» الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم، للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقرّ خفي.
ثمّ استعار «الماء» للغذاء استعارة بالكناية، تشبيها له بالغذاء، لتقوّي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار، تقوّي الآكل للطعام. وجعل قرينة الاستعارة لفظة «ابلعي» لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثمّ أمر- على سبيل الاستعارة للشبه المقدّم ذكره- وخاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة النداء. ثمّ قال: «ماءك» بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتّصال الماء بالأَرض باتّصال الملك بالمالك. واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح.
ثمّ اختار لاحتباس المطر «الإقلاع» الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ماكان. ثمّ أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلًا «أقلعي» لمثل ما تقدّم في «ابلعي».
ثمّ قال: «وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً ...» فلم يصرّح بمن غاض الماء، ولابمن قضى الأمر، وسوّى السفينة، وقال بُعدا، كما لم يصرّح بقائل «ياأرض» و «ياسماء» في صدر الآية، سلوكا في كلّ واحد من ذلك لسبيل الكناية.
إنّ تلك الامور العظام لاتتأتّى إلّا من ذي قدرة يكتنه قهّار لايغالب. فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره- جلّت عظمته- قائل «يا أرضُ وياسماء» ولاغائض مثل ماغاض، ولاقاضي مثل ذلك الأمر الهائل. أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره.
ثمّ ختم الكلام بالتعريض، تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل، ظلما لأنفسهم لاغير، خَتْمَ إظهارٍ لمكان السخط، ولجهة استحقاقهم إيّاه، وأنّ قيمة الطوفان[١] وتلك الصورة الهائلة ماكانت إلّا لظلمهم.
[١] - القيمة- بالكسر- النوع من قام، أي بذلك النوع الهائل من قيام الطوفان.