التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - تجسيد المعاني الذهنية
تنفق ابتغاء مرضاة اللّه هي في هذه المرّة كالجنّة، لاكحفنة من تراب، وإذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان فالجنّة هنا فوق ربوة، وهكذا هو الوابل مشتركا بين الحالتين، ولكنّه في الحالة الاولى يمحو ويمحق، وفي الحالة الثانية يُربي ويخصب. ولو أنّ هذا الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب والاستعداد للإنبات مايجعل القليل من المطر يهزّها ويحييها: «فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ».
* ثمّ يعود إلى ذلك المعنى مرّة اخرى فيقول:
«مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ».[١]
فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع والثمار فيهلكها، فلا ينال صاحب الحرث منه ماكان يرجو بعد الجهد فيه، كالذي ينفق ماله وهو كافر، ويرجو الخير فيما أنفق، فيذهب الكفر بما كان يرجوه.
ولا يفوتنا ما في جرس كلمة «صِرٌّ» من تصوير لمدلولها، وكأنّما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه.
* ويريد أن يبرز معنى: أنّ اللّه وحده يستجيب لمن يدعوه، وينيله مايرجوه، وأنّ الآلهة التي يدعونها مع اللّه لاتملك لهم شيئا، ولاتنيلهم خيرا ولو كان الخير قريبا، فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة:
«لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ».[٢]
وهي صورة تلحّ على الحسّ والوجدان، وتجتذب إليها الالتفات، فلا يستطيع أن يتحوّل إلّا بجهد ومشقّة، وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ: شخص حيّ شاخص، باسط كفّيه إلى الماء، والماء منه قريب، يريد أن يبلغه فاه، ولكنّه لايستطيع.
هكذا تخيب آمال الذين كفروا، وتضيع أعمالهم، لتبقى عليهم حسرات.
[١] - آل عمران ١١٧: ٣.
[٢] - الرعد ١٤: ١٣.