التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧١ - حذف جواب القسم
وهذا من خصائص البلاغة في إيجاز الحذف امتاز بها القرآن في براعة فائقة.
فمن ذلك قوله تعالى: «وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ»[١]. قال الزمخشري: تقديره: لو يعلم هؤلاء شدّة عقاب الظالمين يومذاك، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة. فحذف الجواب، كما في قوله: «وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ...»[٢]. أي ولوترى ذلك لرأيت أمرا عظيما.[٣]
قال ابن جوزيّة: ومثل هذا، حذفه من أحسن الكلام، لأنّ المراد أنّك لو رأيت ذلك لرأيت هولًا عظيما. فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دلّ عليه الشرط.
قال: وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا امورا عجيبة وأرادوا أن يُخبروا بها الغائبَ عنها (إخبارا عن تهويل) يقول أحدهم: لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا.[٤] ففي الحذف هنا من التهويل ما لا يكون فيما إذا صُرّح بالجواب.
و مثله قوله تعالى: «وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ ...»[٥]. أي لرأيت أمرا فضيعا. «وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً»[٦]. «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ»[٧].
و هكذا قوله تعالى: «وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ»[٨]. قال الزمخشري: جوابه محذوف، يعني: لرأيت أمرا عظيما وحالًا هائلة.[٩]
قالتعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ...»[١٠].
قال الزمخشري: جوابه محذوف، كما تقول لغلامك: لو قُمتُ إليك، وتترك الجواب.
قال: والمعنى: ولو أنّ قرآنا سُيّرت به الجبال عن مقارّها وزعزعت عن مضاجعها أو قطّعت به الأرض حتى تتصدّع وتتزايل قطعا أو كلّم به الموتى فتسمع وتجيب، لكان هذا
[١] -. البقرة ١٦٥: ٢.
[٢] -. الأنعام ٣٠: ٦.
[٣] -. الكشاف، ج ١، ص ٢١٢.
[٤] -. التبيان لابن قيم الجوزية، ص ٤.
[٥] -. الأنفال ٥٠: ٨.
[٦] -. الفرقان ٢٦: ٢٥.
[٧] -. المدّثّر ٩: ٧٤- ١٠.
[٨] -. سبأ ٥١: ٣٤.
[٩] -. الكشاف، ج ٣، ص ٥٩٢.
[١٠] . الرعد ٣١: ١٣.