التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - دعوة زكريا ربه
الثقلانُ أن يأتوا بمثلها لشاب الغراب، وساب الماء كالسراب، قبل أن يأتوا به.
١٥- وفيها أيضا دلالة على أنّها معجزة وآية بيّنة من وجه آخر، وهو: أنّه إخبار بالغيب، من حيث إنّه أخبر عمّا جرى على ألسنة أعدائه، فكان كما أخبر، ووافق الخَبَرُ المُخْبَرَ في إعطائه الكوثر، إذ عَلَت كلمتُه، وانتشرت في العالم ذرّيته، وانبتر أمر شانئه الأبتر، وانقطع ذنبُه وعقبُه كما ذكر.[١]
دعوة زكريا ربّه
هناك وقع دعاء زكريا ربّه- فيما حكى اللّه سبحانه-: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً»[٢] موقع إعجاب و إكبار علماء المعاني والبيان، بَهرَتهُم لطافة صنعه وإناقة رصفه، مشتملًا على مزايا ومحاسن جمّة لايحويها سائر الكلام. وقد تعرّض لها صاحب «الطراز» وعدّد محاسنها درجة درجة حتى بلغ العشرة عدد الكمال. وقدّم لذلك مقدّمة قال فيها:
اعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لكونه دالًاّ على تلك المحاسن والمزايا التي لم يختصّ بها غيره من سائر الكلام، ولايجوزُ أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية، أو مجرّدة عنها، وقد ذهب إلى ذلك أقوامٌ، وهو فاسد لأمرين، أمّا (أوَّلًا) فلأنَّ الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة إذا وقعت في محلّ، وغير فصيحة إذا وقع في محلّ آخر، فلو كان الأمر: في الفصاحة والبلاغة راجعا إلى مجرّد الألفاظ الوضعية لَما اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع، وأمّا (ثانيا) فلأنّ الاستعارة والتشبيه والتمثيل والكناية من أعظم قواعد الفصاحة وأبلغها. وإنّما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعاني لاباعتبار ألفاظها. فصارت الدلالة على وجهين:
الوجه الأول: دلالة وضعية، وهذه لاتعلّق لها بالبلاغة والفصاحة كما مَهَّدْنا طريقه.
وثانيهما: الدلالة المعنوية، ودلالتها إمّا بالتضمّن أو بالالتزام، وهما عقليّان من جهة
[١] - جوامع الجامع، ص ٥٥٤.
[٢] - مريم ٤: ١٩.