التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - ضابط الفواصل
ضابط الفواصل
لمعرفة الفواصل ورؤوس الآي شأن خطير، وليس من جهة الوقوف على المقاطع أو العلم بعدد آي السور فحسب، وإنّما هي مهمّة المفسّر، يجب عليه معرفة مداخل الكلام ومخارجه، ومدى رابطة كلّ كلامين اقترنا في خطاب أو أُردفا في ثبت كتاب.
الأمر الذي يمسّ قرائن الكلام المكتنفة بدلائل البيان، فلا يعذر جهله لمن أراد فهمه.
هذا فضلًا عمّا لمعرفة الفصل من الوصل في الكلام من شرف وفضل، وربما كانت الأهمّ من أركان البلاغة في البيان، حتى قال التفتازاني: حصر بعضهم البلاغة على معرفة الفصل والوصل[١] وقال في موضع آخر: إنّه معظم أبواب علم المعاني.[٢]
قال السكاكي: وإنّها لمحكّ البلاغة، ومنتقد البصيرة، ومضمار النُظّار، ومتفاضل الأنظار، ومعيار قدر الفهم، ومسبار غور الخاطر، ومنجم صوابه وخطائه، ومعجم جلائه وصدائه. وهي التي إذا طبّقت فيها المفصل شهدوا لك من البلاغة بالقدح المعلّى، وأنّ لك في إبداع وشيها اليد الطولى. وهذا فصل له فضل احتياج إلى تقرير وافٍ وتحرير شافٍ.[٣]
وبعد، فهل هو توقيف وتوظيف؟ أم قياس واعتبار؟ والصحيح: أنّه كلا الأمرين، والأصل هو التوقيف، ويلحق المحتمل من غير المنصوص بالمنصوص قياسا واعتبارا.
قال الإمام بدرالدين الزركشي: فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر، وقافية البيت في النظم، وتزيد عليهما أنّ مايُعَدّ عيبا هناك لايُعدّ عيبا هنا، في مثل اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه[٤] كما يأتي أنّ الإيطاء والتضمين[٥] ليسا بعيب هنا.[٦]
[١] - المطوّل في تعريف البلاغة، ص ٢٦.
[٢] - المطوّل في باب الفصل والوصل، ص ٢٦٨.
[٣] - مفتاح العلوم، الفن الرابع ص ١١٩.
[٤] - إنّها من عيوب القافية، وتندرج تحت ما اصطلحوا على تسميته بالسناد، وهو اختلاف ماقبل الرويّ. فسناد الحذو:
اختلاف حركة الحرف الذي قبل الرويّ المطلق. وسناد التوجيه اختلاف حركة الحرف الذي قبل الرويّ المقيّد. وسناد الإشباع: اختلاف حركة الدخيل.
المقصود من القافية المقيّدة ماكان رويّها ساكنا. ومن المطلقة ما كان متحرّكا. مفتاح العلوم، ص ٢٧١.
[٥] - الإيطاء: إعادة الكلمة التي فيها الرويّ بلفظها ومعناها في القصيد. والتضمين: تعلّق آخر البيت بأول البيت الذي يليه تعلّقا معنويا. وهذان في القرآن كثير وسيأتي الكلام فيهما في نهاية« أنحاء الفواصل».
[٦] - راجع: مفتاح العلوم، علم القافية ص ٢٧٢- ٢٧٣.