التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
و أمّا الكواهن من النساء فإنّهنّ كثيرات، منهنّ: طريفة كاهنة اليمن، وهي أقدمهنّ.
وزبراء بين الشِّحر وحضرموت، وسلمى الهمدانية الحميرية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة الخثعمية بمكّة، وزرقاء اليمامة ... وغيرهنّ ... وينسبن إلى القبيلة أو المدينة ككاهنة بني سعد، يزعمون أنّها أقدم عهدا من شقّ وسطيح، وأنّها استخلفتهما.[١]
وما زالت الكهانة في العرب حتى أبطلتها الشريعة الإسلامية: «لاكهانة بعد النبوّة».[٢]
وكانت لهم لغة خاصّة تمتاز بتسجيع خصوصي يعرف بسجع الكهّان، مع تعقيد وغموض، ولعلّهم كانوا يتوخّون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه، كما كان يفعله بعض أرباب التنجيم في عهد قريب، حتى إذا لم يصدّق تكهّنهم (وبالأحرى تخرّصهم بالغيب) جعلوا السبب قصور أفهام الناس عن فهم رموز الكاهن أو المنجّم.
ومن أمثلة سجع الكهّان مايروونه عن «طريفة» كاهنة اليمن، حين خاف أهل مأرب سيلَ العرم. أنّها قالت لهم:
لاتؤمّوا مكّة حتى أقول، وما علّمني ما أقول إلّا الحكم المحكم ربّ جميع الامم من عرب وعجم.
قالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟
قالت: خذوا البعير الشذقم فخضّبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرم.[٣]
هذا، ولم يكن السجع في الجاهلية خاصّا بالكهّان في نبوءاتهم، بل كان شائعا- كما ذكرنا- بين البلغاء والخطباء عندما يخطبون أو يعظون، يجعلون حِكَمَهُم في جُمَلٍ قصار ذات تسجيع وترصيع، لتكون أوقع في النفوس وأحفظ وأبقى. كما لم يغفل القضاة منهم أن يُصدروا أحكامهم في الحقوق والجزاء في عبارات مسجوعة شبه مصراع أو مصراعين، ولعلّه أثبت وأضبط للحفظ.
[١] - السيرة الحلبية، ج ١، ص ٣٣- ٣٤.
[٢] - كشف الظنون، ج ٢، ص ١٥٢٤- ١٥٢٥، حرف الكاف علم الكهانة.
[٣] - تاريخ الآداب لجرجي زيدان، ص ٢١٢.