التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - آية القصاص
القتل» وأعجب من الجميع عندهم قولهم: «القتل أنفى للقتل».
غير أنّ الآية أنست الجميع، ونفت الكلّ «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» فهي أقلّ حروفا وأسهل تلفّظا. وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة، دلالة على أنّ الهدف الأقصى أوسع من أمر القصاص وأعظم شأنا، وهي الحياة، حياة الإنسان الكريمة.
واشتمالها على بيان النتيجة وعلى بيان الحقيقة، وأنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة، دون مطلق القتل، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه من فوائد ولطائف ...[١]
هذا بالإضافة إلى ما لتعبير القرآن من محسّنات بديعية باهرة، ليست في ذلك التعبير العربي. قال ابن الأثير: من الإيجاز ما يسمّى الإيجاز بالقصر، وهو الذي لايمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ اخرى مثلها، وفي عدّتها، بل يستحيل ذلك. وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنّما يوجد شاذّا نادرا. والقرآن الكريم ملآن منه.[٢]
فمن ذلك ماورد من قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ».
فإنّ قوله تعالى: «الْقِصاصِ حَياةٌ» لايمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة، لأنّ معناه أنّه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، وكذلك إذا أيقن القاتل أن سوف يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل، تردّد في ارتكاب القتل وربما أمسك عنه، فكان في ذلك حياة للناس.
ولايلتفت إلى ماورد عن العرب من قولهم: «القتل أنفى للقتل». فإنّ من لايعلم يظنّ أنّ هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الأول: أنّ «الْقِصاصِ حَياةٌ» لفظتان، و «القتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ.
الثاني: أنّ في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية.
الثالث: أنّه ليس كلّ قتل نافيا للقتل، إلّا إذا كان على حكم القصاص.
قال: وقد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال:
[١] - الميزان، ج ١، ص ٤٤٢.
[٢] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٤٨ و ص ٢٥٢- ٣٥٣.