التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
مثال الحالة الأُولى حكاية قول إبراهيم:
«قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ. وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».[١]
فقد خطفت ياء المتكلّم في «يَهْدِينِ و يَسْقِينِ و يَشْفِينِ و يُحْيِينِ» محافظة على حرف القافية مع «تَعْبُدُونَ، و الْأَقْدَمُونَ، و الدِّينِ ...». ومثله خطف الياء الأصلية في الكلمة نحو:
«وَ الْفَجْرِ. وَ لَيالٍ عَشْرٍ. وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ. وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ. هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ».[٢] فياء «يسر» حُذفت قصدا للانسجام مع «الفجر، وعشر، والوتر، وحجْر ...».
ومثل «يَوْمَ يدعوا الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»[٣] فإذا أنت لم تخطف الياء في «الدَّاعِ» أحسست مايشبه الكسر في وزن الشعر.
ومثله: «ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً»[٤] فلو مددت ياء نبغي- كما هو القياس- لاختلّ الوزن نوعا من الاختلال.
ومثل هذا يقع عند زيادة هاء السكت على ياء الكلمة أو ياء المتكلّم في مثل: «وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ».[٥] ومثل: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ...».[٦]
ومثال الحالة الثانية: ألّا يكون هناك عدول عن صيغة قياسية، ومع ذلك تلحظ الموسيقى الكامنة في التركيب، والتي تختلّ لو غيّرت نظامه مثل: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا»[٧] فلو حاولت مثلًا أن تغيّر فقط وضع كلمة «منّي» فتجلعها سابقة لكلمة
[١] - الشعراء ٧٥: ٢٦- ٨٢.
[٢] - الفجر ١: ٨٩- ٥.
[٣] - القمر ٦: ٥٤- ٨.
[٤] - الكهف ٦٤: ١٨.
[٥] - القارعة ٨: ١٠١- ١١.
[٦] - الحاقة ١٩: ٦٩- ٢١.
[٧] - مريم ٢: ١٩- ٤.