التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - أنواع الحذف
وهذا من أحسن الحذف وأجمله، وهو في القرآن كثير جدّا. قال ابن جنّي: في القرآن منه زهاء ألف موضع، وقد سردها الشيخ عزّالدين في كتابه «المجاز» على ترتيب السور والآيات.[١]
منه قوله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ»[٢] لأنّ تعلّق الفعل بالزمان هو تعلّق المظروف بالظرف، لولا أنّ في الآية حمل أحدهما على الآخر حمل اتحاد. وهو من لطيف البيان وظريفه، فلو قدّرت: وقت الحجّ أشهر، أو فعل الحجّ في أشهر، لذهبت برونق الكلام وجماله.
ومنه تعلّق الأحكام التكليفية الشرعية بنفس الذوات، فإنّه لابدّ من تقدير فعل مناسب. وذلك في مثل قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ».[٣] وقوله:
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ».[٤] وقوله: «أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها».[٥]
فإنّ في هكذا تعابير لايبدو عليها أثر التقدير، وليس مثل قوله: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها»[٦] البادي عليها أثر التقدير وكانت من مجاز الحذف لامحالة. على خلاف ما مثّلنا به من آيات التحريم، إذ ليس فيها مجاز الحذف أصلًا.
ومنه أيضا قوله: «وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ».[٧] فلو أردنا التقدير لكان: ولكن ذا البرّ من آمن ... أو برّ من آمن. لكنّه ليس كذلك، وإنّما الجملة بكاملتها تفسير وتوضيح لعمل البرّ بأنّ من يؤمن باللّه ... الخ، فهذا هو البرّ والعمل الصالح.
وقوله: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ»[٨] أي من قبل الغلب ومن بعده، من غير أن يكون التقدير ظاهرا وإن كان مرادا واقعا.
ومن هذا القبيل جميع الموارد التي قيل فيها بحذف المبتدأ أو الخبر أو الصفة أو الموصوف، وحتى المعطوف أو المعطوف عليه، أو حذف جملة الشرط أو جملة الجزاء. أو
[١] - معترك الأقران، ج ١، ص ٣٢٣.
[٢] - البقرة ١٩٧: ٢.
[٣] - المائدة ٣: ٥.
[٤] - النساء ٢٣: ٤.
[٥] - الأنعام ١٣٨: ٦.
[٦] - يوسف ٨٢: ١٢.
[٧] - البقرة ١٧٧: ٢.
[٨] - الروم ٤: ٣٠.