التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - نظرة إلى آراء الفقهاء
والتشويق إلى دار القرار، ووصف نِعم اللّه الملك الجبّار، وذكر العبادات والترغيب في الخيرات والزهد في الفانيات ونحو ذلك، كما اشير إليه في حديث الفقيه: فَذَكَّرتْك الجنّة.
قال: وذلك لأنّ هذه كلّها ذكر اللّه تعالى، وربما «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ».[١] وبالجملة، لايخفى على ذوي الحجى- بعد سماع هذه الأخبار- تمييز حقّ الغناء من باطله، وأنّ أكثر مايتغنّى به المتصوّفة في محافلهم من قبيل الباطل.[٢]
وقال- في موسوعته الفقهية «مفاتيح الشرائع»-: الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء، ويقتضيه التوفيق بينها، اختصاص حرمته بما كان متعارفا ذلك العهد من دخول الرجال على النساء الأجنبيات والاستماع لأصواتهنّ، وتكلّمهنّ بالأباطيل.
وبالجملة، ما اشتمل على فعل محرَّم دون ماسوى ذلك.[٣]
قال الشيخ أبوالحسن الشعراني- في هامش الوافي-: الذي يظهر لنا من تتّبع كلام العرب وأهل الأدب أنّ الغناء اسم لمطلق الصوت إذا كان فيه مدّ وترجيع، سواء أطرب أم لا. قال الشاعر في حمامة:
|
إذا هي غنَّت أَبهَت النّاس حُسْنها |
وأطرق إجلالًا لها كلُّ حاذق |
|
فلا يمكن أن يقال: إنّ كلّ صوت كان ذا تأثير فهو محرّم، ولا أنّ كلّ صوت حَسَن بتركيب نغماته- بحيث يميل إليه الطبع- حرام. لما ورد في قراءة السجّاد عليه السلام كانت ذات تأثير بالغ. وقد أمر النبي صلى الله عليه و آله أن يُقرأ القرآن بصوت حَسَن والتغنّي فيه. وقد رُخّص في الحداء مع أنّه مركّب من نَغَمات صوتية مؤثّرة، وصدق التغنّي والغناء على جميع ذلك بلا ريب.
قال: فلابدّ إمّا من الذهاب مذهب الشيخ في الاستبصار بحمل أخبار المنع على ملابساته لاعلى نفسه، أو تختصّ الحرمة بنوع منه، وهو ما يُثير إلى الفحشاء وارتكاب
[١] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٢] - الوافي، ج ٣، م ١٠، ص ٣٥، باب كسب المغنية.
[٣] - مفاتيح الشرائع، ج ٢، ص ٢١، مفتاح ٤٦٥ مع تلخيص.