التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٠ - الاستدراج
ووصفه بالربوبية ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيّين- فكيفَ بمن جعلَ المعبود جمادا لايسمعُ ولايبصر، يعني به الصنم.
ثمّ ثنّى ذلك بدعوته إلى الحقّ، مترفِّقا به، فَلم يَسِمْ أباهُ بالجهل المطلق، ولا نفسَه بالعلم الفائق، ولكنّه قال: إنَّ معي لطائفة من العلم وشيئا منه، وذلك عِلمُ الدلالة على سُلوك الطريق، فلا تستنكف، وهب أنِّي وإيّاك في مسير وعندي معرفة بهداية الطريق دونك، فاتَّبعني انجِك من أن تضِلَّ.
ثمّ ثلَّث ذلك بتثبيطه عمّا كان عليه ونهيه، فقال: إنَّ الشيطان الذي استعصى على ربّك- وهو عدوُّك وعدوّ أبيك آدم- هو الذي ورَّطك في هذه الورطة، وألقاكَ في هذه الضلالة، وإنَّما أَلغى إبراهيم عليه السلام ذكر معاداة الشَيطان آدمَ وذُرِّيتَه في نصيحة أبيه لأنَّه لإمعانِه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلّا التي تختصُّ باللّه، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر مُعاداته آدمَ وذرِّيته.
ثمَّ ربَّع ذلك بتخويفه إيّاه سوء العاقبة، فلم يصرِّح بأنَّ العقابَ لاحِقٌ به، ولكنّه قال:
«إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ»، فنكّر العذاب ملاطفةً لأَبيه، وصدَّر كلّ نصيحة من هذه النصائح بقوله: «يا أَبَتِ» توسُّلًا إليه، واستعطافا.
وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنَّه قال: «أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ» فأقبلَ عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله: «يا أَبَتِ» بقوله: «يابنيّ»، وقدَّم الخبر المبتدأ في قوله: «أَ راغِبٌ أَنْتَ» لأنَّه كانَ أَهمَّ عنده، وفيه ضربٌ من التعجُّب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته.
وفي القرآن الكريم مواضعٌ كثيرةٌ من هذا الجنس لاسيَّما في مخاطبات الأنبياء صلواتُ اللّه عليهم للكفّار، والردّ عليهم، وفي هذين المثالين المذكورين هاهنا كفاية ومقنع.[١]
[١] - المثل السائر، ج ٢، ص ٢٦٠- ٢٦٤.