التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
تعرف ذلك، ولاتجهل مقاييس الشعر وموازينه، إذا فلماذا نسبته إلى الشعر تارة، وإلى السحر اخرى؟
إنّ هذا لسرٌّ عجيب! كانت العرب تعرف أنّه ليس بشعر ولا بسحر، وقد شهد بذلك كُبراؤهم وزعماؤهم في الفصاحة والبيان. غير أنّهم لمسوا فيه إناقة الشعر وروعته الخلابة، ووجدوا فيه تأثير السحر ونفاذه في مسارب القلوب. فإذ لم تُذعن بأنّه كلامُ اللّه العزيز الحميد، استكبارا وعنادا مع الحقّ الصريح «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا»[١] لجأت إلى الافتراء وقول الزور «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ».[٢]
*** والسجع: يطلق على طراز بلاغيّ خاصّ، تستخدم فيه فقراتٌ قصيرة ذات كلمات مقفّاة، إلّا أنّه مع هذا متميّز عن الشعر بأنّه غير خاضع لقافية واحدة ولا لوزن خاصّ.
ولعلّ السجع أول اسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة.
وهذا الاسلوب من التعبير، كثيرا ما كان الكهنة يستعملونه في نبوءاتهم أيام الجاهلية. وإن كان هو الشايع أيضا بين الخطباء وأرباب الحكم من العرب الأوائل.[٣]
واشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهّان والكواهن، أقدمهم شقّ وسطيح، وحكاياتهما أشبه بالخرافات منها بالحقائق.[٤] ومن الكهّان الذين نبغوا قُبيل الإسلام:
خناخر بن التوام الحميري، وسوادبن قارب الدوسي. وفيهم من يُعرفون بما ينسبون إليه من البلاد أو القبائل، كقولهم: كاهن قريش وكاهن اليمن وكاهن حضرموت وغيرهم.
ويقال نحو ذلك في العرّافين[٥] وأكثرهم يُنسبون إلى بلدانهم وقبائلهم، كعرّاف هذيل وعرّاف نجد، وأشهرهم عرّاف اليمامة.
[١] - النمل ١٤: ٢٧.
[٢] - يونس ٣٢: ١٠.
[٣] - دائرة المعارف الإسلامية، ج ١١، ص ٢٩٥. وراجع: تاريخ الآداب العربية لجرجي زيدان، ج ١، ص ٢١٠- ٢١٢.
[٤] - زعموا أنّ شقّا كأن شقّ إنسان نصفه بيد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة. وأنّ سطيحا كان لحما يطوى كما يطوى الثوب لاعظم فيه غير الجمجمة ووجهه في صدره. وزعموا أنّ هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون ... إلى غير ذلك من الأوهام.
[٥] - الفرق بين الكهانة والعرافة: أنّ الاولى مختصّة بالامور المستقبلة، والعرافة بالامور الماضية. وكلاهما تنبّؤ واستطلاع للغيب.