التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - تصوير الحالات النفسية
شاخصة فيها الحركة الدائبة، وهي صورة معهودة، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشدّ وأقوى. وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفنّي، كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن.
* ويريد أن يوضّح حالة تزعزع العقيدة، حيث لايستقرّ الإنسان على يقين، ولايحتمل مايصادفه من الشدائد بقلب راسخ، ولا يجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته، بعيدة عن ميزان الربح والخسارة، فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتزّ وتترنّح، توشك على الانهيار:
«وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ».[١]
إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا «الحرف» الذي يعبد اللّه عليه هذا البعض من الناس، وإنّه ليكاد يتخيّل الاضطراب الحسّي في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب، وإنّ هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ممّا يؤدّيه وصف التزعزع، لأنّها تنطبع في الحسّ، وتتّصل منه بالنفس.
* وممّا هو بسبيل من ذلك في غرض آخر غير هذا الغرض، تلك الصورة التي رسمها للمسلمين قبل أن يسلموا، يوم كانوا معرضين لجهنّم بماهم فيه من الكفر، فقال:
«وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها».[٢]
هكذا: «كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»، موشكين على الوقوع، تكاد أقدامكم تزلّ فتهوون. ولسنا هنا بصدد بيان دقّة التشبيه وصدقه، إنّما نحن بصدد هذه الصورة القلقة المتحرّكة الموشكة في الخيال على الزوال. ولو استطاعت ريشة مصوّر بالألوان أن تبرز هذه الحركة المتخيّلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسب في عالم التصوير والمصوّر يملك الريشة واللوحة والألوان، وهنا ألفاظ فحسب يصوّر بها القرآن.
[١] - الحج ١١: ٢٢.
[٢] - آل عمران ١٠٣: ٣.