التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - إيجاز حذف
مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ. أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ».[١]
إلى غيرها من آيات تنمّ عن سفه أحلام المجرمين، وقد ألحدُوا في آياته.
فقد جاء قوله تعالى- في الآية- ردّا على سفههم في استعجال العذاب: ماذا يستعجل هؤلاء؟ أيستعجلون الشرّ؟ وهل ذاك في صالحهم لو يعجّل اللّه لهم بالشرّ؟ ... فكانت الآية في نظمها الطبيعي مسوقة في ثلاثة مقاطع:
أولًا: لو كانت سنّة اللّه أن يعجّل للناس الشرّ إذا استعجلوه كاستعجالهم بالخير لعجّل لهم بالشرّ كما يعجلّ لهم بالخير.
ثانيا: لكن سنّته تعالى جرت بإمهال الظالمين حتى يحين حينهم.
ثالثا: فعلى وفق هذا النظام الرتيب يُترك الظالمون وشأنهم في هذه الحياة حتى يأتي يومهم الموعود.
تلك جمل ثلاث كان الكلام في وضعه العادي مؤتلفا منها، اثنتان مقدّمتان، والثالثة هي النتيجة، على شكل برهان. لكن القرآن اقتصر على الجملة الاولى والأخيرة، طاويا ذكر الثانية الوسطى، والتي كانت جملة استدراكية حسب الترتيب المنطقي المألوف.
وبعد، أفهل يحسّ بنقص في الكلام، أو بخلل في نظمه وتأليفه؟ أم هو كلام واحد منسجم تمام الانسجام ووافٍ بإفادة الغرض من الكلام تمام الإيفاء؟
ولعلّك عرفت البديل من المحذوف المطويّ، هي دلالة «لو» الامتناعية في صدر الكلام و «فاء» النتيجة في ذيله. وهذا البديل أغنى عن ذكر المحذوف، ولعلّه أنساه من طيّ الكلام بالمرّة، ولو ذكر لكان حشوا.
ومن ثمّ عيب على بيت الحماسي قوله:
|
ولو طار ذو حافر قبلها |
لطارت ولكنّه لم يطر |
|
إذ لا حاجة إلى ذكر الاستثناء بعد وضوحه ودلالة الكلام عليه.
وأبرع الإيجاز ماكان بحذف الجمل التامّة، هي أسؤلة مقدّرة أو تعاليل وأسباب
[١] - يونس ٥٠: ١٠- ٥١.