التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٧ - ألفاظ وتعابير أم قوامع من حديد؟
* «وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ»[١] دلّت لفظة الزحزحة على تلك الحركة التدرّجية قبل المعنى.
«فَكُبْكِبُوا فِيها»[٢] كأنّ جرس اللفظة أدلّ على تعاقب الكبو في النار، هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون.
قال سيد قطب: وحقيقةً أنّ وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصور وليس هو استعمال القرآن الخاصّ لهما، كما هو الشأن في الكلمات الماضية، التي اشتّقها خاصّة أو استعملها أول مرّة، ولكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلاشكّ في بلاغة التعبير.
* «إِلَّا حَمِيماً وَ غَسَّاقاً»[٣] انظر إلى هذا التعبير الذي ملؤه الامتهان والاحتقار بشأن الطاغين وتصغير جانبهم والإزراء بحالتهم الفظيعة. إنّ جهنم كانت ترصدهم فتتلقّاهم في شرّ مآب، ويلبثون فيه أحقابا، لايذوقون فيها بردا ولاشرابا، نعم «إِلَّا حَمِيماً» ماءً ساخنا يشوي الحلق ويزيد في التهاب البطن. «وَ غَسَّاقاً» مايغسق، أي ينصبّ من بدن الحريق، من قيح وصديد، تلك الانصبابة التي تكاد تتقطّع من أعضائه المشويّة تقطّعا. تلك كؤوس الشراب تُقدّم إلى اولئك الطواغيت، في مثل ذلك الحرّ القاطع.
شراب نتن قذر، مدّت إليه أعناقهم ليشربوه، رغم استفظاعه واستقذاره. فياله من فظاعة ومسكنة وتعاسة.
انظر إلى جرس اللفظة «غَسَّاقاً» إنّها تصوّر حالة التهوّع التي تعتري الشاربين التُعساء يكاد يخنقهم ألمُ شوكه.
* «لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ» وما أدراك ما الضريع؟! إنّه طعام «لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ»[٤] لايسدّ جوعة ولايمنع نهما، سوى مضغة مضنية يلوكها الآكل في تلوٍّ وإرهاق، وتَعب ونَصب وضمور بطن، يلحقها ضراعة وتعاسة ومسكنة مزرية. قال الراغب: هو
[١] - البقرة ٩٦: ٢.
[٢] - الشعراء ٩٤: ٢٦.
[٣] - النبأ ٢٥: ٧٨.
[٤] - الغاشية ٦: ٨٨- ٧.