التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٧ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
السنن، ولا ينقحونها من العُجَر[١] والابَن،[٢] كأنّ أفواههم للحكمة ينابيع، وهم على ذلك مطابيع.
هذا، ولمّا سمعت العربُ القرآن المجيد ملأَت الروعة قلوبهم وملكت نفوسهم، وهزّ الاستعجاب مناكبهم، وأنغض رؤوسهم، وبقي أذلقهم لسانا، وأعرقهم بيانا، كالمحجوج إذا أبكتته الحجّة، فأخذته الرجّة، وكالياسر إذا أصبح مقمورا مقهورا، فقعد مبهوتا مبهورا، وكالصريع إذا عنّ له من لايبالي بصراعه، وكالمرتبع[٣] إذا غلبه من لايلتفت إلى ارتباعه، ولقد قابلوه بأفصح كلامهم، فقال منصفوهم: جَرى الوادي فطمّ على القَريِّ،[٤] ومن يعبأُ بالعباء مع الوشيّ العبقري.[٥]
وقال الوليد بنالمغيرة المخزوميّ:[٦] واللّه لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ أعلاه لَمثمر، وإنّ أسفله لمعذق،[٧] وإنّه ليعلو ومايُعلى.[٨]
وبلغنا أنّ أعرابيّا صلّى خلف ابنمسعود[٩] رضياللّه عنه فتعتع في قراءته، فقال
[١] - العُجر: جمع عجرة، وهي العقدة في عود وغيره، ويقال: في كلامه عَجرفيّة وتعجرف أي جفوة.
[٢] - الابَن: العُقد تكون في القسى تُفسِدُها وتعاب بها.
[٣] - رَبعُ الحجر وارتباعه إشالته ورفعه لإظهار القوّة.
[٤] - مثل سائر، معناه: جرى سيل الوادي فطمَّ أي: دفَن، يقال: طمَّ السيلُ الركية أي: دفنها، والقَريُّ: مجرى الماء في الروضة، والجمع أقرية وقريان و« على» من صلة المعنى أي: أتى على القَرِيِّ، يعني أهلكه بأن دفنه. انظر: مجمع الأمثال، ج ١، ص ١٥٩، رقم ٨٢٣.
[٥] - الوشي: من الثياب معروف. والعبقريّ: الديباج.
[٦] - الوليد بنالمغيرة بنعبداللّه بنعمرو بنمخزوم، أبو عبدشمس، من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، ومن زنادقتها، أدرك الإسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته، ذكره ابن الأثير في الكامل تحت عنوان: ذكر المستهزئين ومن كان أشدّ الأذى للنبي صلى الله عليه و آله، وهو والد خالدبن الوليد، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون. انظر: الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٧١؛ والأعلام، ج ٩، ص ١٤٤.
[٧] - أي: له شعب وجذور، وفي بعض المصادر: لمغدق، وهو من الغدق أي: الماء الكثير، وفي بعضها الآخر: لعذق، والعذق، النخلة، وهو استعارة من النخلة التي ثبت أصلها.
[٨] - ورد باختلاف في لفظه في دلائل النبوة، ج ٢، ص ١٩٨؛ وتاريخ الإسلام، ص ١٥٥؛ وسيرة ابنهشام، ج ١، ص ٢٨٩؛ والوفا بأحوال المصطفى، ص ٥٥. وأخرجه الحاكم النيسابوري في مستدركه، ج ٢، ص ٥٠٦، عن ابنعباس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[٩] - عبداللّه بنمسعود بنغافل بنحبيب الهذلي، أبو عبدالرحمان، من صحابة رسولاللّه صلى الله عليه و آله السابقين إلى الإسلام، وولّي بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله بيت مال الكوفة، ثمّ قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما في سنة ٣٢. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج ٢، ص ٣٦٨، رقم ٤٩٥٤؛ وتهذيب التهذيب، ج ٦، ص ٢٧، رقم ٤٢؛ ومعجم رجال الحديث، ج ١٠، ص ٣٢٢، رقم ٧١٦٠؛ والأعلام، ج ٤، ص ٢٨٠.