التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٣ - التتميم
طرح لنقص المعنى واختلّ حسن التركيب.
وكذا لو عاد الضمير في «عَلى حُبِّهِ» على اللّه. أي أطعموهم لرضائه تعالى، فهو آكد للدلالة على الإخلاص في هذا الإيثار. وعلى أيّ تقدير فلا يخلو موقع هذه الكلمة من الظرافة والحسن البديع.[١]
*** ومن أروع أنحاء التتميم وأفخمه قدرا أن تجتمع أنواعه في كلام واحد، وهي كما أشرنا: تتميم نقص أحسّ به المتكلّم، أو مبالغة فيإيفاء مراده، أو احتياط واحتراس عن الشكوك والاعتراضات الواردة.
وقد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى: «أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ».[٢]
هذه الآية فيها محاولة لإبراز حالة الأسف المرير لِمَن فَقَد شيئا كان ثمن حياته، في وقت لايمكنه تداركه، ويخاف سوء المصير.
قال ابن أبيالإصبع: جاءت في هذه الآية ثمانية مواضع، في كلّ موضع منها تتميم.
وأتت على جميع أقسام التتميم الثلاثة:
فأوّلها قوله- في تفسير الجنّة-: «مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ» لاحتمال أن تكون جنّة ذات أثل وخمط.[٣] فإنّ لفظ الجنّة يصدق على كلّ شجر ملتفّ يستر الأَرض بظلّ أغصانه، كائنا ماكان. ومن الشجر ما له نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب، وماله نفع قليل كالأثل والخمط. ومع هذا فلو احترقت لاشتدّ أسف صاحبها، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب.
ثمّ إنّ الجنّة وإن كانت من نخيل وأعناب، فمالم تجر الأنهار من تحت أشجارها لم يكن لها نفع عظيم بسكنها، ولم تكن لها حياة ونضارة البتة. فتمّم هذا النقص بقوله: «تَجْرِي
[١] - أنوار الربيع، ج ٣، ص ٥٢.
[٢] - البقرة ٢٦٦: ٢.
[٣] - الأثل نوع من الطرفاء. والخمط نبت له مرارة. وكلاهما من الأشواك المرّة.