التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٣ - ألوان من التخييل الحسي
جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً. فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً».
وهنا ينتهي هذا المشهد بين الصاحبين: أحدهما منتفش كالديك، ازدهاه مافي جنّته من ازدهار. والآخر موقن باللّه، مستعزّ بالإيمان، يذكّر صاحبه ويؤنّبه، ويبصّره بما كان يجب أن يصنع إذ رأى جنّته. ويبدو أنّ صاحبه لم يستمع إليه- وهذا طبيعي في هذا الموقف- فهو يقسو عليه قسوة الغاصب لدينه، ويدعو على جنّته أن يرسل اللّه عليها الصواعق، فتصبح جرداء ملساء، تزلّ فيها القدم وتزلق، أو أن يصبح ماؤها غائرا لايستطيع أن يطلبه، فضلًا عن أن يستخرجه. ثمّ يفترق الصاحبان وهما متغاضبان. فلننظر بعدُ ماذا يكون؟!
«وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَ يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً»[١]. لقد استجاب اللّه دعوة الرجل المؤمن المتحدّي بلا ضرورة.
فلنشهد صاحبنا شاخصا يقلّب كفّيه على ماأنفق فيها وهي خاوية على عروشها، ولندعه يندم «يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً» ولنسدل الستار على منظر الدمار والاستغفار.
ألوان من التخييل الحسّي
لون من ألوان «التخييل» يمكن أن نسمّيه «التشخيص» يتمثّل في خلع الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية والانفعالات الوجدانية. هذه الحياة- التي قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية- تشمل المواد والظواهر والانفعالات، وتهب لهذه الأشياء كلّها عواطف آدمية، وخلجات إنسانية، تشارك بها الآدميّين وتأخذ منهم و تعطي، وتتبدّى لهم في شتّى الملابسات، وتجعلهم يحسّون الحياة فيكلّ شيء تقع عليه العين، أو يتلبّس به الحسّ، فيأنسون بهذا الوجود أو يرهبونه، في توفّز وحسّاسية وإرهاف.
[١] - الكهف ٣٤: ١٨- ٤٢.