التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٣ - ١٢ - براعة القسم في القرآن
عنده وينتقش في ذهنه، كفى ذلك الانتقاشَ حكمُه. قال الشاعر:
|
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى |
فصادف قلبي خاليا فتمكّنا |
|
فتستغني الجملة عن مؤكّدات الحكم، وسمّي هذا النوع من الخبر ابتدائيّا.
و إذا ألقاها إلى طالبٍ لها، متحيّرٍ طرفاها عنده دون الاستناد، فهو منه بين بين لينقذه عن ورطة الحيرة، استحسن تقويته بتوكيد، مثل إدخال اللام في الجملة أو «إنّ». نحو:
لزيد عارف أو إنّ زيدا عارف. وسمّي هذا النوع من الخبر طلبيّا.
أمّا إذا ألقاها إلى معتقد خلافه ليردّه إلى الصّواب، استوجب ذلك توكيده بحسب ما اشرب من درجة الإنكار. نحو: إنّي لصادق، لمن ينكر صدقك إنكارا. وإنّي لصادق، لمن يبالغ في إنكار صدقك. وواللّه إنّي لصادق، على هذا. أي إذا تصاعد في إنكار وبالَغَ.
قال: وإن شئت فتأمّل كلام ربّ العزّة: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما، فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. قالُوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. قالُوا: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ...»[١].
حيث قال- أوّلًا-: «إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ». وقال- ثانيا-: «إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ». فقد زاد التوكيد حسب زيادة الإنكار والجموح. ويسمّى هذا النوع من الخبر إنكاريّا. وإخراج الكلام في هذه الأحوال على الوجوه المذكورة، يسمّى إخراج الكلام وفق مقتضى ظاهر الحال، ويسمّى في علم البيان بالتصريح.
قال: والذي أريناك- إذا أعملت فيه البصيرة- استوثقت من جواب أبي العباس[٢] للكندي[٣] حين سأله قائلًا: إنّي أجد في كلام العرب حشوا، يقولون: عبداللّه قائم، ثمّ يقولون إنّ عبداللّه قائم، ثمّ يقولون إنّ عبداللّه لقائم، والمعنى واحد!
[١] - يس ١٣: ٣٦- ١٦.
[٢] - هو أبوالعباس محمّد بن يزيد الأزدي البصري النحوي اللغوي صاحب الكامل ومعاني القرآن. توفي سنة ٢٨٥.
[٣] - هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، فاضل دهره وواحد عصره وكان له انحراف في عقيدته. من أحفاد الأشعث. مات ٢٤٦.