التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٢ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
من أجيال الأعاجم، وأخياف الطماطم[١] إلّا أصغى إليها متوجّسا، وأصاخ لها مستأنسا، وأناس[٢] فَوديه[٣] مستعجبا، وأمال عطفيه مستغربا، وقال: ما هذا اللسان المستلذّ على الصِماخ[٤] إيقاعه، المُحلَولي في مخارق الآذان استماعه، المفارق لجميع اللغات والألسنة، المَصُون من الحروف الملكنة.
وما ذاك إلّا لأنّ حكم المسموعات حكم المبصرات والممسوسات، وغيرها من سائر المحسوسات، فكما أنّ الأعين فارقة بين المناظر العثاث والمِلاح، والأوجه القِباح والصِباح، والانوف فاصلة بين الأعطار الفوائح، وبين مستكرهات الروائح، والأفواه مُمّيزة بين طعوم المآكل والمشارب، وبين المستبشعات منها والأطائب، والأيدي مفرزة لِما استلانت ممّا استخشنت، ولِما استخفّت ممّا استرزنت،[٥] كذلك الآذان تعزل مستقيمات الألحانمنعوجها، وتعرف مقبولالكلام منممجوجها، والألسن تنبسط إلىما أشبهمنالكلام مُجاجالغمام،[٦] وتنقبضُعمّا يُشاكلمنه اجاج[٧] الجِمام،[٨] وهذه طريقهعامّية يسمعها ويبصرها ويسلّمها ولاينكرها من يُرىبه شيء من طرف، أو يرامق[٩] بأدنى عرف.
و أمّا الطريقة الخاصّية التي تضمحلّ معها الشُبَهُ، ويسكت عندها المنطيق المفوّه، فما عنى بتدوينه العلماء، ودأب في تضييفه العظماء، في ألفاظ العربية وكلِمَها، من بيان خصائصها ونوادر حِكَمِها، ممّا يتعلّق بذواتها، ويتّصل بصفاتها، من العِلمَين الشريفين، والعَلمَين المنيفين، وهما علم الأبنيَة وعلم الإعراب، المشتملان على فنون من الأبواب،
[١] - أخياف أي مختلفون، والطماطم جمع طمطم، وهو الذي في لسانه عجمة لايفصح.
[٢] - أناس الشيء يونس نوسا ونوسانا: تحرّك وتذبذب متدلّيا.
[٣] - الفَودُ: معظم شعر الرأس ممّا يلي الأُذن، ووفودا الرأس جانباه.
[٤] - صِماخ الاذن- بالكسر-: الخرق الذي يفضي إلى الرأس، وهو السميع، وقيل هو الاذن نفسها.
[٥] - رزنت الشيء أرزنه رزنا، إذا رفعته لتنظر ماثقله من خفّته، وشيء رزين أي: ثقيل. الصحاح، مادة- رزن-، ج ٥، ص ٢١٢٣.
[٦] - مُجاج الغمام: مطره.
[٧] - ماء اجاج أي ملح، وقيل: مُرّ، وقيل: شديد المرارة، وقيل: الاجاج،: الشديد الحرارة.
[٨] - الجُمة: المكان الذي يجتمع فيه ماؤه، والجمع: الجِمامُ.
[٩] - رمقه بعينه رمقا: أطال النظر إليه.