التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - البحث الخامس في بيان موقعها من علم البديع
دقيقة:
اعلم أنّ هذه الأنواع الثلاثة- أعني علم المعاني والبيان وعلم البديع- مآخذُها مختلفة، وكلُّ واحد منها على حظٍّ من علم البلاغة والفصاحة، ولنضرب لها مثالًا يكون دالًاّ عليها ومبيّنا لموقع كلّ واحد منها، وهو أن تكون حَبّاتٌ من ذهب ودُرَر ولآلىء ويواقيت، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة، ثمّ إنّها الِّفَت تأليفا بديعا، بأن خُلِطَ بعضُها ببعض ورُكّبت تركيبا أنيقا، ثمّ بعد ذلك التأليف، تارةً تُجعلُ تاجا على الرأس، ومرّةً طوْقا في العنق، ومرّةً بمنزلة القُرط في الأذُن. فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدُّرَر واللآلىء، وهو علم المعاني، وتأليفُها وضمُّ بعضها إلى بعض، هو علم البيان؛ ثمّ وضعُها في المواضع اللائقة بها عند تأليفها وتركيبها، هو علم البديع. فوضعُ التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضعٌ له في موضعه، ولو وُضع في اليد أو الرجل لم يكن موضعا له، وهكذا الكلامُ بعد إحكام تأليفه يُقصد به مواضعه اللائقة به، وما ذكرناه من المثال هو أقربُ ما يكون في هذه العلوم الثلاثة وتمييز مواقعها.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة:
الجنس الأول منها: الجناسُ اللاحقُ، وهو أن تتفق الكلمتان في جميع حروفهما إلّا في حرفين لاتقارب بينهما، وهذا هو قوله تعالى: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» فقوله ابلعي وأقلعي، جناسُ لاحق، لايختلفان إلّا في القاف والباء، وهما غير متقاربين، وكقولك سعيدٌ بعيدٌ، وعابدٌ عاتبٌ، فهذا كلّه يقال له جناسٌ لاحق.
الجنس الثاني: الطباق المعنوي، وهو قوله: «أَقْلِعِي و ابْلَعِي» لأنّ المعنى في بَلع الأرض إنّما هو إدخاله في جوفها، وإقلاع السماء هو إخراجه عنها. وهذا تطبيق من جهة المعنى، من جهة أنّ الإدخال والإخراج ضدّان، وهذا كقوله تعالى: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ»[١] لأنّ الرحمة هي لينُ القلوب وتعطّفها، وهو ضدّ الشدّة.
الجنس الثالث: الاستطراد، وهو توسيط كلام أجنبي بين كلامين متماثلين، وهذا
[١] - الفتح ٢٩: ٤٨.