التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٥ - ١٢ - براعة القسم في القرآن
حين استهواه التشبّه بأئمّة صناعة البلاغة، المهتدين بفطرتهم إلى تطبيق مفاصلها، وهم الأعراب الخُلّص.
روى الأصمعي[١] أنّ خَلَف الأحمر[٢] قبّل بين عيني بشّار، بمحضر أبي عمرو بن العلاء[٣]، حين استنشداه قصيدته هذه. إذ قال له خَلَف بعد ما أنشد القصيدة: لو قلت- يا أبا معاذ- مكان «إنّ ذاك النجاح»: «بكّرا فالنجاح في التبكير»، كان أحسن!
فقال بشّار: إنّما قُلتُها أعرابيّة وحشيّة[٤]، فقلت: «إنّ ذاك النجاح في التبكير» كما يقول الأعراب البدويّون! ولو قلت: «بكّرا فالنجاح في التبكير» كان هذا من كلام المولّدين. ولا يشبه ذلك الكلام- أي كلام العرب الرفيع- ولا يدخل في معنى القصيدة الّتي قلتها.
فقام خَلَف وقبّل بين عينيه، إعجابا بفطنته ودقيق بلاغته وعرفانه بأساليب لغة العرب الفصحى الأصيلة، دون المسترسلة الهجينة.
قال السكّاكي: وهذا من أدقّ التعابير وأرقّها في التصوير لدى ذهنيّة المخاطب المتأرجحة حسبما يرسمها شاعر مُفلق مُجيد. ونظيره:
|
فغنّها وهي لك الفِداء |
إنّ غناء الإبل الحُداء |
|
قال: وفي التنزيل منه الشيء الوفير:
قال تعالى: «وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ»[٥].
و كذا: «وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»[٦].
«وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»[٧].
[١] - هو عبدالملك بن قُرَيب- مصغّرا- النحوي البصري صاحب النوادر والملح. توفي سنة ٢١٦.
[٢] - هو أبو محرز الشاعر صاحب البراعة في الآداب. كان راوية ثقة علّامة، يسلك الأصمعي طريقه ويحذو حذوه. قيل: إنّه معلّم الأصمعي. حمل عنه ديوانه أبونؤاس. وتوفّي حدود ١٨٠. كان هو والأصمعي فتّقا المعاني وأوضحا المذاهب وبيّنا المعالم. قال الأخفش: لم ندرك أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر الأصمعي. الوافي بالوفيات للصفدي، ج ١٣، ص ٢١٩، رقم ٤٠٨٥.
[٣] - اسمه: زبّان، أبو عمرو بن العلاء المازني أحد القراء السبعة المفضّلين، توفّي سنة ١٥٤.
[٤] - يعني: على أساليب العرب الأوائل قبل تحضّرها.
[٥] - هود ٣٧: ١١.
[٦] - يوسف ٥٣: ١٢.
[٧] - التوبة ١٠٣: ٩.