التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٦ - إمتاع العقل والنفس معا
ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث شيء، وأراد الآخر عدم إحداثه! فلو تحقّقت الإرادتان كان جمعا بين النقيضين. أو غلبت إحداهما الاخرى فهذا ينافي الكمال المطلق المفروض في الإلهين. وإلّا فهو ترجيح من غير مرجّح.
ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث نظام ومخلوق، والآخر إلى نظام ومخلوق غيره ... إذا لذهب كلّ إله بما خلق ... ولكان هناك نظامان وعالمان مختلفان في الخلق والنظام، وهذا الاختلاف في البنية والنظام يستدعي عدم التآلف والوئام والانسجام، وسوف يؤدّي ذلك إلى تصادم وأن يطغى أحدهما على الآخر ولعلا بعضهم فوق بعض.
الأمر الذي يقضي بالتماحق والتفاسد جميعا.
وكلّ اولئك باطل بالمشاهدة، إذ نرى العالم قد وجد غير فاسد. وبقي غير فاسد.
ونراه بجميع أجزائه، وعلى اختلاف عناصره وتفاوت أوضاعه- من علوّ وسفل وخير وشرّ- يؤدّي وظيفة جسم واحد، تتعاون أعضاؤه مع بعضها البعض، وكلّ عضو يؤدّي وظيفته بانتظام، يؤدّي إلى غرض واحد وهدف واحد. وهذه الوحدة المتماسكة- غير المتنافرة- في نظام الأفعال دليل قاطع على الفاعل الواحد المنظّم لها بتدبيره الحكيم، وهو اللّه ربّ العالمين.
وهذا هو البرهان القائم على قضايا يقينية في بديهة العقل.
٢- وقال تعالى- بصدد نفي المثل-: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».[١]
جاءت الدعوى مشفوعة ببرهان الامتناع، على طريقة الرمز إلى كبرى القياس.
ذلك أنّ «المثل» المضاف إليه تعالى رمز إلى الكمال المطلق، أي الذي بلغ النهاية في الكمال في جميع أوصافه ونعوته، الذي هو مقتضى الالوهية والربوبية المطلقة. لأنّك إذا حقّقت معنى الالوهية فقد حقّقت معنى التقدّم على كلّ شيء والمسيطر على كلّ شيء، «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٢] «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٣]
[١] - الشورى ١١: ٤٢.
[٢] - الأنعام ١٤: ٦ وقد جاءت في خمس سوَر اخرى.
[٣] - الزمر ٦٣: ٣٩.