التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٣ - أنواع من الاستدلال البديع في القرآن
سائغا لذّةً للشاربين.
هذا هو الذي تجده في كتاب اللّه الكريم، حيثما توجّهت وأينما تولّيت بوجهك. إنّه في فسحة قصصه وأخباره عن الماضين، لاينسى حقّ العقل من حِكم وعِبر. وأنّه في مزدحم براهينه ودلائله، لايغفل حظّ القلب من رغبة ورهبة وشوق ورجاء. يبثّ ذلك بوفرة شاملة، في جميع آياته وبيّناته، في مطالعها ومقاطعها وتضاعيفها، الأمر الذي «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ».[١] و «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ».[٢]
أنواع من الاستدلال البديع في القرآن
قلنا: من بديع بيانه تعالى لإقناع الخصوم هو ذاك لطيف برهانه، همسا في الأسماع ووخزا في القلوب. فتلك حججه قاطعة ودلائله لائحة، ترفع الغبار عن وجه الحقيقة بيدٍ ناعمة ولمسٍ خفيف، وتكشف النقاب عن محيّى الحقّ بإشارة خفية نافذة إلى الأعماق.
وممّا وقف عليه العلماء من أسرار بيان القرآن هو جمعه لأنواع البراهين العقلية، ولكن لابمثل تلك التعقيدات التي تكلّفها المتكلّمون، بل جريا مع المتعارف من الكلام المعقول. «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ».[٣] فإنّ الراغب في دقيق المحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام. ومن استطاع أن يفهم الأكثر بالأوضح من البيان لايلجأ إلى الأغمض الذي لايعرفه إلّا الأقلّون.
فقد أخرج اللّه تعالى مخاطباته في محاجّة العباد في أبهى صورة وأجلى بيان، ليفهم العامّة من جليلها مايقنعهم ويلزمهم الحجّة، وتفهم الخواصّ من أثنائها مايربي على ماأدركه فهم الخطباء، وهذه مزيّة خارقة في القرآن، قناعة كافية للعوام، وحجّة وافية للعلماء، وبذلك فاق سائر الكلام.
[١] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٢] - الطارق ١٣: ٨٤- ١٤.
[٣] - إبراهيم ٤: ١٤.