التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨١ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
الأفصح العربي من بين وضّاع الكلام، إن لم يكن واضعه رافع السماء و واضح الأرض للأنام، فقد أخذ حروف المعجم التي هي كالمادّة و العنصر، و بمنزلة الإكسير و الجوهر، فعجمها مبسوطات فرائد، و دافها[١] الواحد فالواحد، و تقلقلت في يده قبل التأليف، تقلقل الدنانير في أيدي الصياريف،[٢] حين تراهم ينفون زيفها و بهرجها،[٣] و يصطفون إبريزها و زبرجها، فتخيّر من بينها أطوعها مخارج، و تنخّل منها أوطأها مدارج و ميّز أسلسها على الأسلات،[٤] و أعذبها على العذبات،[٥] و أحلاها في الذوق و أسمحها، و أبهاها عند السبر و أملحها، و أبعدها من مجّ الأسماع، و أقربها امتزاجا بالطباع، و أوقعها لفحول الأمّة الناغمة بأجراسها، و أحسنها طباقا لطرق أنفاسها.
و لمّا انتقل من انتقاء و سائطها، بعد انتقاد بسائطهاآإلى أن يؤلّف و يركّب، و يرصّف و يرتّب، عمد في عمل التراكيب إلى أشرف الأنماط و الأساليب، فألّف أنماطا تستهش[٦] أنفس الناطقين، و كلمات تتحلّب[٧] لها لهى[٨] الذائقين، و تجول في فجوات الأفواه، فتتمطّق[٩] بها مستلذّات، و يطرق بها الآذان فتهوي بها مغذّات،[١٠] و ما طنّت على مسامع أحد
[١] - داف الشيء دوفا، و أدافه: خلطه.
[٢] - لم يرد جمع الصيرفيّ أي النقّاد على هذه الصيغة إلّا في الشعر، قال ابن منظور:« الجمع صيارف و صيارفة، و الهاء للنسبة، و قد جاء في الشعر الصيارف، فأمّا قول الفرزدق:
|
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة |
نفي الدراهيم تنقاد الصياريف |
|
[٣] - اليهرج: الباطل، و اللفظة معرّبة، و قيل: كلمة هندية أصلها نيهله، و هو الردي، فنقلت إلى الفارسية، فقيل نيهره، ثمّ عرّبت فقيل: يهرج.
[٤] - الأسلات: جمع أسلة، و هي طرف اللسان.
[٥] - عذبة اللسان: طرفه، و الجمع« عذبات» كقصبة و قصبات.
[٦] - يقال: استهشّني أمر كذا فهششت له أي: استخفّني فخقفت له.
[٧] - تحلّب العرق و اتحلب أي: سال.
[٨] - جمع لهاة، و هي اللحمات في سقف أقصى الفم.
[٩] - يقال: ذاقه فتمطّق له إذا ضمّ شفتيه إليه و ألصق لسانه بنطع فيه مع صوت.
[١٠] - مغذّات: مسرعات.