التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
وتلك صورة عجيبة، فمن يئس من نصرة اللّه لنبيه، وضاق صدره، وبلغ حنقه على هذه الحال مبلغا لايطيقه، فليحاول أن يغيّر من هذه الحال مااستطاع، مادام لايصبر، ولا ينتظر وعد اللّه بالنصر. ليمدد إلى السماء بحبل يتعلّق به ليصعد عليه، فإذا لم يجده هذا فليقطع هذا الحبل الممدود. ثمّ لينظر: هل أفلح تدبيره هذا في إذهاب ما يغيظه؟ لينظر، إن كان قد بقي فيه شيء ينظر، بعد قطع حبله الممدود، وبعد السقطة التي يترقّبها الخيال.
ومن هذا القبيل- مع شيء من التحوير والتلطيف يناسب المخاطب هنا، وهو النبي صلى الله عليه و آله وقد عزّ عليه إعراض المشركين، وتمنّى لو يستطيع هدايتهم للحقّ، وإتيانهم بالمعجزة التي يطلبون-: «وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ».[١]
*** ولون من «التخييل» يتمثّل في الحركة الممنوحة لما من شأنه السكون كقوله:
«وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً»[٢] فحركة الاشتعال هنا تخيّل للشيب في الرأس حركة كحركة اشتعال النار في الهشيم، فيها حياة وجمال، كما أسلفنا.
تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
وأما «التجسيم» فقد وردت له أمثلة كثيرة في فصل «التصوير الفنّي» كذلك. ومنه كلّ التشبيهات التي جيء بها لإحالة المعاني والحالات صورا وهيئات، نذكر منها: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ».[٣] و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ».[٤] و «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً
[١] - الأنعام ٣٥: ٦.
[٢] - مريم ٤: ١٩.
[٣] - إبراهيم ١٨: ١٤.
[٤] - البقرة ٢٦٤: ٢.