التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - ١ - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره
والقرّ، وفي تعميق الأساس وتطويل البنيان، وتخفيف المحمول منها على حامله، والانتفاع بالمساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة، وترتيب الحجرات والأبهاء، بحيث يتخلّلها الضوء والهواء، فمنهم من يفي بذلك كلّه أو جلّه، ومنهم من يخلّ بشيء منه أو أشياء ... إلى فنون من الزينة والزخرف يتفاوت الذوق الهندسي فيها تفاوتا بعيدا.
كذلكترى أهل اللغة الواحدة يؤدّون الغرض الواحد على طرائق شتّى يتفاوت حظّها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة، ولكنّه حسن الاختيار في تلك المواد والأوضاع قد يعلو بالكلام، حتّى يسترعي سمعك ويثلج صدرك ويملك قلبك. وسوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتّى تمجّه اذنك وتغثى منه نفسك وينفر منه طبعك.
ذلك أنّ اللغة فيها العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، وفيها العبارة والإشارة، والفحوى والإيماء، وفيها الخبر والإنشاء، وفيها الجمل الإسمية والفعلية، وفيها النفي والإثبات، وفيها الحقيقة والمجاز، وفيها الإطناب والإيجاز، وفيها الذكر والحذف، وفيها الابتداء والعطف، وفيها التعريف والتنكير، وفيها التقديم والتأخير، وهلمّ جرّا. ومن كلّ هذه المسالك ينفذ الناس إلى أغراضهم غير ناكبين بوضع منها عن أوضاع اللغة جملة، بل هم في شعابها يتفرّقون وعند حدودها يلتقون.
بيد أنّه ليس شيء من هذه المسالك بالذي يجهل في كلّ موطن، وليس شيء منها بالذي يقبح في كلّ موطن، إذن لهان الأمر على طالبه، ولأصبحت البلاغة في لسان الناس طعما واحدا وفي سمعهم نغمة واحدة، كلّا، فإنّ الطريق الواحد قد يبلغك مأمنك حينا، ويقصر بك عن غايتك حينا آخر. وربّ كلمة تراها في موضع ما كالخرزة الضائعة، ثمّ تراها بعينها في موضع آخر كالدرّة اللامعة. فالشأن إذن في اختيار هذه الطرق أيّها أحقّ بأن يسلك في غرض غرض، وأيّها أقرب توصيلًا إلى مقصد مقصد، ففي الجدال أيّها أقوم بالحجّة وأدحض للشبهة، وفي الوصف أيّها أدقّ تمثيلًا للواقع، وفي موطن اللين أيّها أخفّ على الأسماع وأرفق للطباع، وفي موطن الشدّة أيّها أشدّ اطّلاعا على الأفئدة بتلك النار