التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - نكت وظرف فيما تكرر من آيات الذكر الحكيم
نكت وظرف فيما تكرّر من آيات الذكر الحكيم
غير خفيّ أنّ ما يذكره تعالى حكاية عن امم سالفين إنّما هو نقل بالمعنى، ولا سيّما فيما يحكيه من أقوالهم ومحاججاتهم، حيث كانت بلغة غير عربية، وناقل المعنى في سعة من اللفظ حيث يشاء وحيث يتناسب مع مقصوده من الكلام، ينقله تارةً طورا واخرى طورا آخر، وقد ينقل بعضه ويترك البعض، حسب ما يراه من مناسبة المقام. ومن ثمّ فهو في فسحة من النقل والحكاية.
قال الإسكافي: إنّ ما أخبر اللّه به من قصّة موسى وبني إسرائيل وسائر الأنبياء لم يقصد به حكاية الألفاظ بأعيانها، وإنّما قصد اقتصاص معانيها. وكيف لايكون كذلك واللغة التي خوطبوا بها غير العربية، فحكاية اللفظ إذا زائلة، وتبقى حكاية المعنى. ومن قصد حكاية المعنى كان مخيّرا بأيّ لفظ أراد، وكيف شاء من تقديم وتأخير بحرف لا يدلّ على الترتيب كالواو. وعلى هذا يقاس نظائره في القرآن.[١]
*** وللكرماني[٢] تصنيف لطيف في بيان ما لكلّ موضع من الآيات المكرّرة نكتة ظريفة، استقصى فيها جميع ما في القرآن من التكرار. قال في مقدّمته: هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات (المتماثلات) التي تكرّرت في القرآن وألفاظها متّفقة، ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك ممّا يوجب اختلافا بينها ... وابيّن السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها؛ والحكمة في تخصيص آية بشيء دون اخرى ...
نقتطف من أزهاره مايلي:
١- قوله تعالى في سورة البقرة: «اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً»[٣] بالواو.
[١] - درّة التنزيل، ص ١٧، هامش أسرار التكرار، ص ٢٨.
[٢] - هو العلّامة الأديب محمود بنحمزة بننصر الكرماني. قال ياقوت: كان حدود سنة خمسمائة وتوفي بعدها.
[٣] - البقرة ٣٥: ٢.