التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٤ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى. وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى».[١]
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبا- على نظام غير نظام الشعر العربي- متّحدة في حرف التقفية تماما، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعا لهذا وذلك، وتبعا لأمر آخر لايظهر ظهور الوزن والقافية، لأنّه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع، ولو اتّحدت الفواصل والأوزان.
والإيقاع الموسيقي هنا متوسّط الزمن تبعا لتوسّط الجملة الموسيقية في الطول، متّحد تبعا لتوحّد الاسلوب الموسيقي، مسترسل الرويّ كجوّ الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي. وهذا كلّه ملحوظ. وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليّا مثل: «أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى. وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى». فلو أنّك قلت: أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة لاختلّت القافية، ولتأثّر الإيقاع. ولو قلت: أفرأيتم اللّات والعزّى ومناة الاخرى فالوزن يختلّ. وكذلك في قوله: «أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى» فلو قلت: ألكم الذكرُ وله الانثى تلك قسمة ضيزى لاختلّ الإيقاع المستقيم بكلمة «إِذاً».
ولا يعني هذا أنّ كلمة «الاخرى» أو كلمة «الثالثة» أو كلمة «إذا» زائدة لمجرّد القافية أو الوزن، فهي ضروروية في السياق لنكت معنوية خاصّة. وتلك ميزة فنيّة اخرى أن تأتي اللفظة لتؤدّي معنى في السياق، وتؤدّي تناسبا في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذاك، أو يخضع النظم للضرورات.
ملاحظة اتّزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كلّ موضع على نحو ماذكرنا أو قريبا من هذه الدقّة الكبرى. ودليل ذلك أن يُعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصّة، أو أن يُبنى النسق على نحو يختلّ إذا قدّمت أو أخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل.
[١] - النجم ١: ٥٣- ٢٢.