التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - القول بالموجب
ومن ثمّ عقّبها بقوله: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ».[١]
القول بالموجب
قال ابن معصوم: هو نوع من البديع غريب المعنى، لطيف المبنى، راجع الوزن في معيار البلاغة، مفرغ الحسن في قالب الصياغة. وهو والاسلوب الحكيم[٢] رضيعا لبان وفرسا رهان.[٣]
قال ابن أبيالإصبع: هو أن يتكلّم أحدٌ بشيء، فيعمد السامع إلى لفظة من كلامه، فيبني عليها ويناقضه بسببها، ردّا عليه من كلام نفسه. وذلك يوجب معاكسة مقصود المتكلّم ونقض غرضه. قال: لأنّ حقيقة القول بالموجب هو ردّ كلام الخصم من فحوى لفظه[٤] وهو نوع «المسلّمات» من القياس الجدلي في مصطلح علماء الميزان.[٥]
نعم، هو من ألطف أنواع البديع، فيمعاكسة كلام صديق أو مناقضة قول خصيم.
قال ابن حجّاج:
|
قُلتُ ثَقَّلتُ إذ أتَيتُ مرارا |
قالَ ثَقَّلتَ كاهِلي بالأَيادي |
|
|
قُلتُ طوَّلتُ، قالَ لي بل تطوَّل- |
- تَ وأَبرمتُ، قالَ حبلَ ودادي |
|
**** ومن أمثلته في القرآن المجيد قوله تعالى: «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»- يريدون بالأعزّ أنفسهم، وبالأذلّ المؤمنين ... وصادقهم تعالى على إخراج الأعزّ الأذلّ، غير أنّه تعالى فسّرهما على عكس مطلوبهما «وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ
[١] - الأنعام ١٤٥: ٦.
[٢] - سنأتي عليه، وهو: تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنّه الأولى بالقصد. كقول القبعثري للحجّاج لمّا قال له متوعّدا: لأحملنّك على الأدهم- أراد به القيد- فقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب- أراد به الفرس-. راجع: أنوار الربيع، ج ٢، ص ٢١١.
[٣] - أنوار الربيع، ج ٢، ص ١٩٨.
[٤] - بديع القرآن، ص ٣١٤.
[٥] - هوالقياس المؤلّف من قضايا مسلّم بها لدى الخصم، فيبتنى عليها الكلام لدفعه.