التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨١ - أنحاء الإيجاز بحذف الجمل
والدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة، أي استعذ إذا قرأت، أي أردت القراءة.
ونظيره قوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ...»[١] لأنّ الوضوء قبل القيام إلى الصلاة.
وأيضا قوله: «فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً».[٢] أي فضرب فانفجرت منه ... وتسمّى هذه الفاء فاء الفصيحة.
*** الضرب الثالث: الإضمار على شريطة التفسير. بأن يحذف من الكلام شيء، ويكون في آخر الكلام مايدلّ عليه من لفظه.
كقوله تعالى: «أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».[٣]
تقديره: أفمن شرح اللّه صدره للإسلام كَمَن أقسى قلبه؟! ويدلّ عليه قوله- بعد ذلك-: «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ».
وكقوله: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا ...».[٤] فطرف الاستواء محذوف، دلّت عليه الجملة بعدها.
*** الضرب الرابع: مالايكون أحد الثلاثة المتقدّمة، كما في قوله تعالى: «قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً (إلى قوله): وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ. وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ».[٥]
فبين قوله: «وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ» وقوله: «وَ قالَ الْمَلِكُ ...» تقدير جمل كثيرة، تقديرها:
فرجع الرسول إليهم، فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، فتشاوروا بينهم ماذا يفعلون، فاستقرّ أمرهم على أن يطلبوه، فيكلّموه مشافهة ... وقال الملك ...
والمحذوف المقدّر قد دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة، وذلك لدلالة حاشيتيه.
[١] - المائدة ٦: ٥.
[٢] - البقرة ٦٠: ٢.
[٣] - الزمر ٢٢: ٣٩.
[٤] - الحديد ١٠: ٥٧.
[٥] - يوسف ٤٧: ١٢- ٥٠.