التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - فواتح السور وخواتيمها
باب يسمّى باب «التخلّص و الاقتضاب».[١]
قال أهل البيان: من البلاغة حسن الابتداء، ويسمّى «براعة المطلع». وهو أن يتأنّق المتكلّم في أول كلامه، ويأتي بأعذب الألفاظ وأجزلها وأرقّها وأسلسها وأحسنها نظما وسبكا، وأصحّها مبنىً، وأوضحها معنىً، وأخلاها من الحشو، والركّة والتعقيد، والتقديم والتأخير الملبّس والذي لايناسب.
قالوا: وقد أتت جميع فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغيرذلك.[٢]
قال ابن الأثير: وحقيقة هذا الركن البلاغي أن يجعل مطلع الكلام دالًاّ على المعنى المقصود منه، إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناءً فهناء، أو عزاءً فعزاء، وكذلك في سائر المعاني.
قال: وهذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس. ولهذا عيب على كثير من الشعراء والخطباء، زلّتهم في هذا المقام.[٣]
قال: وإنّما خُصّت الابتداءات بالاختيار لأنّها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه.
قال: ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور (منها المسبّحات). وكذلك الابتداءات بالنداء في مثل قوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ».[٤] فإنّ عموم الخطاب ينمّ عن رعاية
[١] - ذكره ابن الأثير في النوع الثالث والعشرين المثل السائر، ج ٣، ص ١٢١ قال: أمّا التخلّص فهو أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل الأوّل سببا إليه، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر. بل يكون جميع كلامه كأنّما أُفرغ إفراغا. وأمّا الاقتضاب فهو أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر، ولايكون بينهما علاقة في ظاهر الأمر. وهو مذهب من مذاهب العرب فيه طرافة وظرافة. وسنأتي على كلّ من القسمين في مبحث« حسن الخاتمة» إن شاء اللّه.
[٢] - قاله ابنمعصوم في أنوار الربيع، ج ١، ص ٣٤.
[٣] - راجع ما ذكره من معايب الشعراء القدامى والمحدثين في هذا الباب. وكذلك ما أخذه ابن معصوم على مطلع قصيدة امرئ القيس. وقد ذكرنا شطرا منه فيما سبق في حقل المقارنات.
[٤] - النساء ١: ٤.