التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - حد الالتفات وفائدته
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».[١]
فإنّه إنّما قال: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ...» ولم يقل: «فآمنوا باللّه وبي ...» لكي يمكن إجراء الصفات عليه، تنبيها على أنّ الذي يجب اتّباعه هو هذا الإنسان المتّصف بهكذا صفات تؤهّله للإمامة وحمل رسالة اللّه إلى الناس ... إظهارا للنَّصفَة، وبُعدا من تهمة التعصّب للنفس .. فقرّر أوّلًا في صدر الآية أنّه رسول اللّه إلى الناس.
ثمّ أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين، الأول: إمكان إجراء تلك الصفات عليه. الثاني: الخروج من تهمة حبّ الذات، لئلّا يكون ممّن يجرّ النار إلى قرصه.
وهذا من لطيف البيان في المداراة مع العامّة.
*** ونوع آخر من الالتفات، مايكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي: كلّ تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية.
قال ابن الأثير: وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى اخرى طلبا للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط، بل لأمرٍ وراء ذلك، وسرٍّ كامنٍ خلفه.
فقد يقصد ذلك تعظيما لشأن من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره، وبالضدّ من ذلك في من أُجري عليه فعل الأمر.
فمّما جاء منه قوله تعالى: «قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ».[٢]
لم يقل: اشهدُ اللّه واشهدكم، وإنّما عدل إلى صيغة الأمر، تهاونا بهم، فلا يتوازنوا مع اللّه في شهادة صدق على البراءة.
[١] - الأعراف ١٥٨: ٧.
[٢] - هود ٥٣: ١١- ٥٤.