التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٢ - تناسب الآيات مع بعضها
و هذا، لِخَلْقِ الخوف والرجاء، وطرد اليأس والغرور.
وهذا من أعظم التربية للنفوس البشرية، فلا يأخذها القنوط واليأس إن هي أسرفت في التمرّد والعصيان، ولايسطو عليها العُجب والاغترار إن هي بلغت مدارج الكمال.
ومنها: أنّ الإسلام دعوة إلى الحياة العُليا والسعادة القُصوى. كما أنّ في رفضها والتمرّد عن تعاليمها إماتة للقلوب، وبذلك تموت معالم الإنسانية في النفوس وتذهب كرامتها أدراج الرياح، وإذا بهذا الإنسان دابّة، فبدلًا من أن يمشي على أربع، يمشي على رجلين لا أكثر من ذلك، وفي ذلك هبوط من قمّة الشموخ إلى حضيض الهمجية والابتذال.
«وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ».[١]
«وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ».[٢]
ووجوه اخر ذكرناها في فصل المتشابهات من الآيات.[٣]
قال سيّد قطب: من ألوان التناسق الفنّي هو ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض. وبعضهم يتمحّل لهذا التناسق تمحّلًا لا ضرورة له، حتّى ليصل إلى حدّ التكلّف ليس القرآن بحاجة إلى شيء منه.[٤]
وقال الأُستاذ درّاز: إنّ هذه النقطة غفل عنها جميع المستشرقين، فضلًا عن بعض علماء المسلمين. فعندما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السور لم ير القرآن إلّا أشتاتا من الأفكار المتنوعّة، عُولجت بطريقة غير منظّمة، بينما رأى الآخر أنّ علّة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة لتخفيف الملل الناتج من رتابة الأُسلوب. وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكلّ سورة- وما لايستحيل نقله في أيّة ترجمة- إلّا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضمّ غالبية المستشرقين، رأى أنّ هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن، وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتّبوها
[١] - الأعراف ١٧٦: ٧.
[٢] - الحشر ١٩: ٥٩.
[٣] - راجع: التمهيد في علوم القرآن، ج ٣،« عرض آيات الهداية والضلال»، رقم ٨٠.
[٤] - التصوير الفنّي في القرآن لسيد قطب، ص ٦٩.