التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٢ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
صنبورا.[١]
ثمّ انظر كيف نُظّمت النظم الأنيق، ورُتِّبت الترتيب الرشيق، حيث قُدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها، وما يقطع الشبهة ويقلعها، ثمّ لما يجب أن يكون عنه مسبّبا، وعليه مترتّبا، ثمّ ماهو تتمّة الغرض من وقوع العدوّ في مُغَوّاته[٢] التي حفر، وصلْيه بحرّ ناره التي سعر، ومن الشهادة على إلصاقه بالسليم عيبه، وتوريكه على البرئ ذنبه.[٣]
وتأمّل كيف أنّ من اسند إليه إسداء هذه العطيّة، وإيتاء هذه الموهبة السنيّة، وهو ملك السماوات والأَرض، ومالك البسط والقبض، وكيف وسّع العطيّة وكثّرها، وأسبغها ووفّرها، فدلّ بذلك على عظم طرفي المعطى، وعلى جلال جنبي المُسدي والمُسدى، وقد علم أنّه إذا كان المعطي كبيرا، [كان] العطاء كثيرا، فيالها من نعمة مدلول على كمالها، مشهود بجلالها.
وأراد بالكوثر أولاده إلى يوم القيامة من امّته،[٤] جاء في قراءة عبداللّه: «النِّبيُّ أوْلى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِم (وهو أبوهم) وَأزواجُهُ امَّهاتُهُم»[٥] وما أعطاه اللّه في الدارين من مزايا
[١] - أي أبتر لاعقب له.
[٢] - مُغواة: حفرة كالزبية تحفر للذئب، ويجعل فيه جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده، ومنه قيل لكلّ مهلكة مُغواة.
[٣] - ورك عليه ذنبه: حمله عليه.
[٤] - قال الطبرسي: ماذكره جار اللّه هنا ليس بالوجه، لأنّه لايعدل عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة. وقد قال النبيّ صلى الله عليه و آله للحسن والحسين عليهما السلام: ابناي هاذان قاما أو قعدا. وقال للحسن عليهالسلام: إنّ ابني هذا سيّد. وفي التنزيل:« ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ». الأحزاب ٤٠: ٣٣. فكيف يحمل الكوثر على أولاد امّته الذين أبى اللّه أن يكون رسوله أبا أحدٍ منهم؟ ولا يحمل على أولاد ابنيه من ابنته، الذي طبقوا البرّ والبحر، وملأوا السهل والجبل بكثرتهم. جوامع الجامع، ص ٥٥٣.
[٥] - الأحزاب ٦: ٣٣. قال المصنف في الكشاف، ج ٣، ص ٥٢٣: وفي قراءة ابن مسعود:« النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، ج ١٤، ص ١٢٣: ثمّ إنّ في مصحف ابيّ بن كعب« وأزواجه امّهاتهم وهو أبٌ لهم» وقرأ ابن عباس« من أنفهسم وهو أبٌ[ لهم] وأزواجه[ أُمّهاتهم]».
وقال الطبرسي في مجمع البيان، ج ٤، ص ٣٣٨: وروي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج، قال قوم: نستأذن آباءنا وامّهاتنا. فنزلت هذه الآية.
وروي عن ابيّ وابنمسعود وابنعباس أنّهم كانوا يقرأون:« النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امّهاتهم وهو أبٌ لهم» وكذلك هو في مصحف ابيّ، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبداللّه عليهما السلام.