التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٤ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
قال عليه السلام: لنا حقّ فإن أُعطيناه وإلّا ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السُرى.[١] فما أجمله من استعارة لطيفة وأوفاها بهدف المقصود.
قال الشريف الرضي: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه.
ومعناه: إنّا إذا لم نعط حقّنا لم نكن ممّن يتنكّب الطريق ويعتزل عن جماعة المسلمين. بل نشقّ طريقنا إلى الأمام مع ركب الجماعة، وإن كنّا في حالة حرجة وركوب مشقّة. لأنّ ركوب مؤخّرات الإبل ممّا يشقّ احتماله والصبر عليه. وإلى هذا يشير في خطبته الشقشقية: فصبرت وفي الحلق شجى وفي العين قذى ... أرى تراثي نهبا.
وقال عليه السلام: لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه.[٢]
قال الشريف: وهذا من المعاني العجيبة الشريفة. والمراد: أنّ العاقل لايُطلق لسانه إلّا بعد مشاورة الرويّة ومؤامرة الفكرة. والأحمق تسبق حذفاتُ لسانه وفلتاتُ كلامه مراجعة فكره ومماخضة رأيه. فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، وكأنّ قلب الأحمق تابع للسانه.
وقال عليه السلام: قيمة كلّ امرئٍ مايحسنه.[٣]
قال الشريف: وهذه الكلمة، التي لاتُصاب لها قيمة، ولاتوزن بها حكمة، ولا تقرن إليها كلمة ...
التخلّص والاقتضاب وفصلُ الخطاب
من بديع البيان وظريفه حسن التخلّص، وهو قدرة كلامية قلَّ من توفّق لها في ظرافة وبراعة كظرافة القرآن وبراعته.[٤]
[١] - الكلمة رقم ٢٢، ص ٤٧٢.
[٢] - الكلمة رقم ٤٠، ص ٤٧٦.
[٣] - الكلمة رقم ٨١، ص ٤٨٢.
[٤] - هذا البحتري، فإنّ مكانه من الشعر لايجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب. ومع هذا فإنّه لم يوفَّق في التخلّص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا. قال ابن الأثير: ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلّا اليسير. المثل السائر، ج ٣، ص ١٢٦.